من الأفكار المركزية التي تبرر للقاعدة تواجدها وتبنيها للمواجهة مع ما تعتبره قوى الظلم والكفر العالميين هو دفاعها بالدرجة الأساس عن دين الله قبل عباد الله، ولهذا فالجهاد بالنسبة لها هو عبادة وفريضة متعينة في هذه الأيام لنصرة الدين ورد العدو الصائل في ديار المسلمين ورفع الظلم عن المستضعفين كما تقول. وفي هذا السياق بالضبط تجيء أحاديث فضائل الشام كمنطلق للحشد والرباط والجهاد باعتبار الشام موطن البركة والأمن ونصرة الدين مثلما هي أيضا موطن الطائفة المنصورة. ولأننا في صلب المحتوى الديني سنلاحظ ما يلي:
-إن الأحاديث النبوية تحدثت عن ثلاثة أجناد محددة هي جند الشام وجند اليمن وجند العراق.
-كما أن الأحاديث باركت في اليمن والشام ولكنها فيما يخص القتال والنصرة وخيرة بني البشر ركزت على الشام وبيت المقدس دون غيرهما.
-كما أن الأحاديث اختصت الشام برحمة الله وكفالته وفي رواية أخرى بحماية الملائكة لها.
-كما أن الأحاديث تبشر بالشام كملجأ آمن حيت تقع الفتن والملاحم.
-كما أن الأحاديث تثبت أن الشام تحوز على سنة التدافع الإنساني، بمعنى أن التغيير المحتمل ينطلق منها قبل غيرها.
وفي الحقيقة يمكن الإشارة إلى الكثير مما يذكره مفكرو القاعدة أو أنصارها فيما يتعلق بمواطن البركة في هذه المناطق. فهل يعني هذا أن الشام واقعة لا محالة في صلب عقل القاعدة كمنطلق قادم للعمل؟ يبدو الأمر كذلك وفي الصميم، وإلا فما قيمة هذه الأحاديث إن لم يُعمَل بها؟ ففي وثيقتها الشهيرة يتبين أن القاعدة تحضّر في المرحلة الثالثة منها والمسماة بـ"مرحلة النهوض والوقوف على القدمين"لإحداث"نقلة نوعية مهمة في عملية التغير في المنطقة المحيطة بالعراق، حيث سيتم التركيز في البداية على الشام، وأن اختيار الشام لم يكن عشوائيًا بالنسبة لهم، فهم يستندون إلى الأحاديث النبوية الصحيحة التي وردت عن الرسول /، تتحدث عن حصار الشام بعد العراق [1] ". وبطبيعة الحال لا تغفل الوثيقة الدور الذي ستلعبه طلائع جند الشام التي تتهيأ لشن هجمات داخل سوريا حاليا، وهو ما نشهد بواكيره الأولى منذ نحو عام على الأقل.
وحين التحري عن استراتيجية القاعدة، وفقا للمرحلة الثانية (فتح العيون 2003 - 2006) من خطتها
المعلنة، سنلحظ مزيدا من الوضوح في التركيز على تحقيق هدفين مركزيين حين يتعلق الأمر بفلسطين:
الأول: تتوجه فيه القاعدة إلى تحقيق المزيد من الحشد والرباط في المناطق المحيطة ببيت المقدس
تأسيسا على ما تراه وثيقة الاستراتيجيا بأن القاعدة ستغدو تيارا جامحا يصعب القضاء عليه.
(1) الحديث المقصود هو ما رواه مسلم في صحيحه بسنده: (عن أبي نضرة رضي الله عنه قال: كنا عند جابر بن عبد الله رضي عنه فقال: يوشك أهل العراق ألا يجبى إليهم قفيز ولا درهم. قلنا: من أين ذلك؟ قال: العجم يمنعون ذلك. ثم قال: يوشك أهل الشام ألا يجبى إليهم دينار ولا مدي. قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل الروم؟ ثم سكت هُنيهة، ثم قال: قال رسول الله /: يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثيًا لا يعده عدًا. قلت لأبي نضرة: أترى أنه عمر بن العزيز؟ قال: لا) .