فهرس الكتاب
وكذلك من الموازين هنا: أن لا نطلب العدل والحق فقط، بل نطلب الرحمة أيضًا، والوحمة فوق العدل، والمخطئ محتاج للرحمة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُشتم ويُؤذَى فيحلم، والذين فصلهم الأستاذ الهضيبي رحمه الله مثلا لم يفصلوا من أول خطأ ولا ثاني خطأ، بل لما تكرر الخطأ كثيرًا، والمسألة خاضعة لتقدير المصالح والمفاسد لا الحكم بجنة أو نار، وإنما نجتهد اجتهادًا.
لكن لا يصح تحميل قائد أوضاعًا مهترئة، والفصل اضطرار نضطر له، وهناك أصحاب نزعة انفرادية طبيعتهم عدم التقيد بالأوامر، وإذا وضع في الصف يُفتن رغمًا عنه، وهنا تكون الرحمة بأن نعفيه من العمل والمسؤولية، لنحفظ إيمانه، فضلًا عن أن وجوده يسبب الحرج.
وهذه المعاني هي تربية لنا جميعًا، ثم هي مسألة تنظيمية ثانيا"، فتجميد أحد أو نقله من مركزه: أمر اختبار له من باب، ويفسر بموجب القواعد الجماعية من باب آخر، أي القواعد القائلة بأن كل داعية هو جندي يعمل في الموطن الذي يوضع فيه، ومن الإفتيات على مصالح الدعوة العليا أن نعتبر الأوامر بإجراء بعض التغييرات انعكاسًا لموقف شخصي أو حقد أو تنافس، لأن الانسجام مطلوب، وكل له أجره، وقد يكون أحد صاحب كفاية لكن إخوانه لا ينسجمون معه."
ومن الموازين: اجتماع عدة مفاسد وأضرار في آن واحد، من العدو أو من بعض الدعاة الساذجين، بحيث يكون وضعنا مرهقًا، كثير الإتعاب، ولا يحتمل مزيدًا من المتاعب باختلاف المختلفين، ويصبح الحزم في البت من باب الرحمة بالدعوة، وهي أرجح من الرحمة با لأفراد.
كذلك لا ننكر أن الأخ قد يُحترم لسبب آخر غير مكانته الإدارية، كعلمه الشرعي مثلًا، أو سابقة له، والعفو عن العالم المخطئ أسبابه مضاعفة. ومع ذلك فالتفريق واجب بين العفو عن حقوقنا الشخصية والعفو عن الحقوق الدعوية العامة، فتتسع هناك، مع شدتها على النفس، وتضيق في ا لأخرى.