الصفحة 18 من 41

وما كان السلف رضي الله عنهم على مثل هذا، بل كانوا يُقلون الكلام حتى في المباح، وحيث لا أذى، إبعادًا لاحتمالات الزلل عند الإكثار، وقد وصفهم إمام المحدثين بالبصرة عبد الرحمن بن مهدي فقال: (أدركت الناسَ وهم على الجُمَل) .

قال الإمام أحمد بن حنبل معقّبًا:

(يعني لا يتكلمون، اي: ولا يخاصمون)

فإنما هي جُمل يسيرة من الكلام بحروف معدودة، ليس وراءها إيذاء او تخذيل او تعكير قلوب.

وهكذا كانت الحياة الإسلامية تمضي حين يقودها الصالحون، بل الحياة لإنسانية حين تصفو فتحكمها سنن الفطرة، فيتوارى المهذارون، ولو استقرأتَ التاريخَ وأوصاف المجتمعات فانك:

(تجد الوحدان والجماعات أقربها إلى الصدق والجد: أقلها كلاما، يشغلها الفعل عن القول، ويغلب فيها الفكر واليد على اللسان، وأقرب الناس إلى البطالة والهزل: أكثرها كلاما، وأذربهم لسانًا، إلا قليلا.

لو اتصل اللسان بالفكر لقيده الفكر، ولو صحب القولُ العملَ لوَقّره العمل، ولكن اللسان يتقلب في هراء لا ينفد، ويصرّف ألفاظا لا تحد، قول بغير حساب، وقشر ليس فيه لُباب.

وكم قال الناس قديمًا في كثرة الكلام وقلته، وفي ثقله وخفته وما يتأمل متأمل في أحوالنا إلا يجد تصديق ما قيل، فحركة ألسنتنا تَربو كثيرا على حركات القول والأيدي، وابتكارنا أكثره في الكلام لا في النظام، وفي القول لا في الفعل.

رحم الله مَن جعل عقله على لسانه رقيبا، وعمله على قوله حسيبا )

فهو اللسان وراء الحالتين. .. .. .. وذلك سبب الوصية بسجن اللسان، لما قال:

تَحَفّط من لسانك ليسى شيء * * * أحق بطول سجن من لسانِ

أما اذا اطلقته حُرًا: فهنالك تكون المتاعب .. ..

ان اللسان اذا حَللتَ عِقاله * * * ألقاك في شنعاءَ ليس تُقالُ

فالعقال والقيد أليقُ لكل لسان، وأحوط، وأبرأ، لانه ليس من أحد يقيلك ويعفيك من سقطاته، إلا الأقل، فانتبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت