الصفحة 19 من 41

وإياك أن تُستدرَج إلى وادي الأذى متوهمًا القيام بمهمة وعظ الآخرين، فإن التشهير يزيل نُبل الموعظة.

(قال الشافعي رضي الله عنه: مَن وعظ أخاه سرًا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه )

وقيل لمسعر: أتحب مَن يخبرك بعيوبك؟ فقال: إن نصحني فيما بيني وبينه فنعم، وان قرَّعني بين الملأ فلا.)

هذا الإيذاء إذا كان مجرد اللسان يرسل الكلمات هذرًا، فكيف به إذا حسّنتْ زيفَه فنونُ البلاغة والنَظم، وجُندت الأقلام، واستجاشت العواطفَ نبراتُ الخطابة؟

الخَطبُ أدهى عند ذاك بلا شك، وأشد إذا ساعَدَ المحيطُ خلال الفتن.

فكم من خطيبٍ قام فيها مثرثرا * * * فطرّى لنا من يابس القول ما طرّى

وكم شاعرٍ قد أرخصَ الشعرَ دونها * * * وكم قلم فوق الطروس بها صَما

ثم تتحدر الحالة الى سوء اكثر حين لا يكون ثَمَ طرف واحد يمنح لسانَه الحريةَ، بل أطراف أخرى تدافع عن نفسها، وتفنّد المزاعم، فيثور الجدل، فيعم الصَخَب، كأنك في سوق الصفارين حين يزدحم الطرْقُ، فيخفت صوت هتاف ا لإسلام، فتضمحل الحماسة.

ملأنا الجو بالجدل اصطخابا * * * وكنا قبل نملؤه هُتافا

وما زلنا نهيم بكل واد * * * من الأقوال نرسلها جُزافا

وهذا لأن الشرَ له قابلية التسلسل، وهو ولود، سريعُ النسل، كثيرُه ، وليس الحزم إذا رأى المخلصون أوائله إلا في أن يتحالموا ، ليسدّوا الطريق أمام استطراده، فانه .. .. ..

اذا دُفع الشرُّ القبيح بمثله * * * تحصّل شر ثالث وتولدا

وأمستْ دواعي الشرّ ذات تسلسل * * * مديدٍ وصار الشرُّ في الناس سرمدا

إذا أيقظتني للعداء اعتداءةٌ * * * شربتُ لها من خالص العفو مُرفدا

وأضْرب عن جهل الجهولِ ولم أكنْ * * * لأضربَ في الأيام للغدر موعدا

وكان التحالمُ صفة النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يغضب ويحمر وجهه الشريف، ثم لا يعاقِب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت