الصفحة 23 من 41

وقد ينخدع بعض أهل العلم بغرور الشيطان فمِحدث نفسه بأنه لو ظهر من هو أولى منه بالأمر لفرح به، وإخباره بذلك عن نفسه قبل التجربة والامتحان محض الجهل والغرور، فإن النفسَ سهلة القياد في الوعد بأمثال ذلك قبل نزول الأمر، ثم إذا دهاه الأمر: تغير ورجع ولم يف بالوعد، وذلك لا يعرفه إلا مَن عرف مكايد الشيطان والنفس وطال اشتغاله بامتحانها، فمعرفة .. حقيقة الإخلاص والعمل به: بحر عميق يعْرق فيه الجميع إلا الشاذ النادر والفرد الفذ، وهو المستثنى في قوله تعالى:"إلا عبادك منهم المخلصين"، فليكن العبد شديد التفقد والمراقبة لهذه الدقائق، وإلا التحق باتباع الشياطين وهو لا يشعر.)

فأعد التأمل في هذا النمط من السلوك النفسي: ينفتح لك باب عريض من فقه القلوب ينجيك بإذن الله من ضيق الفتن التي قد تغري داعية بالتنافس مع داعية آخر، فيتبرم من وجوده وكلامه ودروسه، وما ثَمَ غير الحسد، والعياذ بالله، فيأخذ بالوشاية عليه لدى الأمراء .

وكان من الممكن لهذا النوع من الحسد أن يكون محدودَ الأثر، لكنّ طبيعته تترك قلب الحاسدَ يغلي، فيستهلك نفسَه، ويطمع الشيطان أن ينال أكثر، فيغري الحاسدَ بالنميمة والوقيعة بين المحسود وإخوان له، فيتعدى الأثرُ، وتعم ا لبلوى.

وهذا الحالة هي التي شكاها الكثير من فقهاء المسلمين ونبلائهم، جيلًا بعد جيل، وما يزال يشكوها بعض الدعاة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وتنطق بها تقارير وشهادات ومحاكمات.

وإنك لتسمع توجع محسود يقول:

أفشى علي مقالةً ما قلتُها * * * وسعى بأمر كان غير سديد

فينعصر قلبُك: تألم لألمه، وتأسف لهذا التردّي الأخلاقي.

ثم تلتفت، فتصادف مصليا يدعو ربه أن يعصمه من (الغواية في الرواية) ، فتتخيل كم آذت هذا المسلمَ غواية المّلاعب بالألفاظ والحقائق.

وتستنبئ التاريخَ عن أشد ما أرهق عبداللهَ بن الزبير رضي الله عنهما، فإذا هو ما تابع فيه الأفوه الأودي في قوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت