فهرس الكتاب
قال ابوهريرة رضي لله عنه: إن رجلًا شتم أبابكر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعجب ويبتسم، فلما أكثر الرجل، رد عليه أبوبكر بعض قوله، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم، وقام فلحقه أبوبكر، وقال: يارسول الله، كان يشتمني وأنت جالس، فلما أكثر رددت عليه بعض قوله، غضبت وقمت!! فقال عليه الصلاة والسلام: إنه كان معك ملك يرد عنك، فلما رددت عليه بعض قوله وقع الشيطان، فلم أكن لأقعد مع الشيطان ثم قال: ياأبابكر ثلاث كلهنّ حق: مامن عبد ظلم بمظلمة، فيغضي عنها لله عز وجل إلا أعز الله بها نصره، ومافتح رجل باب عطية، يريد بها صلة إلا زاده الله بها كثرة، ومافتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله بها قلة [1] .
إن الصديق رضي لله عنه اتصف بكظم الغيظ ولكنه رد ماظن أنه به يسكت هذا الرجل، فرغبه النبي صلى الله عليه وسلم في الحلم والإناة، وأرشده الى ضرورة تحليه بالصبر في مواطن الغيظ فإن الحلم وكظم الغيظ مما يزيد المرء ويحمله في أعين الناس، ويرفع قدره عند الله تعالى.
ويتبين لنا كذلك من هذا الموقف حرص الصديق رضي لله عنه على عدم إغضاب النبي صلى الله عليه وسلم والمسارعة الى إرضائه وفي الحديث ذم الغضب للنفس، والنهي عنه، والتحذير منه، واعتزال الانبياء للمجالس التي يحضرها الشيطان، وبيان الفضل للمظلوم، الصابر، المحتسب للأجر والثواب، وفيه حث على العطايا، وصلة الأرحام، وذم للمسألة وأهلها.
وظل الصديق متمسكًا بالحلم، وكظم الغيظ، حتى عُرف بالحلم والأناة، ولين الجانب، والرفق، وهذا لايعني أن أبابكر لم يكن يغضب، وإنما كان غضبه لله تعالى، فإذا رأى محارم الله قد انتهكت غضب لذلك غضبًا شديدًا [2] .
(1) الدر المنثور للسيوطي (2/74؛ مجمع الزوائد(8/190) حديث مرسل.
(2) سيرة وحياة الصديق، مجدي فتحي السيد، ص145.