فهرس الكتاب

الصفحة 278 من 582

إن خروج الصديق رضي لله عنه للجهاد ثلاثة مرات متتالية، يعتبر تضحية كبيرة وفدائية عالية، فقد ناشده المسلمون أن يبقى في المدينة ويبعث قائدًا على الجيش فلم يقبل بل قال: لاوالله لاأفعل ولأواسينَّكم بنفسي، وهذا يدل على تواضعه الجمِّ، واهتمامه الكبير بمصلحة الأمة، وتجرده من حظ النفس، وقد أصبح بذلك قدوة صالحة لغيره، فلاشك أن خروجه للجهاد ثلاث مرات متتاليات وهو الشيخ الذي بلغ الستين من عمره قد أعطى بقية الصحابة دفعات قوية من النشاط والحيوية [1] .

وقد جاء في إحدى هذه الروايات أن ضراربن الأزور حينما أخبر أبا بكر الصديق بخبر تجمع طليحة الأسدي قال: فما رأيت أحد -ليس رسول الله- أملأ بحرب شعواء من أبي بكر، فجعلنا نخبره ولكأنما نخبر بماله ولاعليه [2] .

وهذا وصف بليغ لما كان يتصف به أبو بكر من اليقين الراسخ والثقة التامة بوعد الله تعالى لأولياءه بالنصر على الأعداء والتمكين في الأرض، فأبو بكر لم يَفُق الصحابة بكبير عمل وإنما فاقهم بحيازة الدرجات العلى من اليقين رضي الله عنهم أجمعين [3] .

وقد روى أنه لما قيل له: لقد نزل بك مالو نزل بالجبال لهاضها وبالبحار لغاظها ومانراك ضعفت. فقال: مادخل قلبي رعب بعد ليلة الغار، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى حزني قال: لاعليك يا أبا بكر، فإن الله قد تكفل لهذا الأمر بالتمام [4] ، فكان له رضي لله عنه مع الشجاعة الطبيعية شجاعة دينية، وقوة يقينية في الله عزوجل، وثقة بأن الله ينصره والمؤمنين، وهذه الشجاعة لاتحصل إلا لمن كان قوي القلب، وتزيد بزيادة الإيمان وتنقص بنقص ذلك، فقد كان الصديق أقوى قلبًا من جميع الصحابة لايقاربه في ذلك أحد منهم [5] .

المبحث الثالث : الهجوم الشامل على المرتدين

(1) التاريخ الإسلامي للحميدي (9/48) .

(2) نفس المصدر (9/48) .

(3) المصدر السابق (9/48) .

(4) أبوبكر الصديق أفضل الصحابة وأحقهم بالخلافة، ص69.

(5) نفس المصدر، ص70.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت