قالت: فقلت والله مايدري أبي مايقول.ثم دنوت من عامر بن فهيرة فقلت: كيف تجدك ياعامر؟ فقال:
لقد وجدت الموت قبل ذوقه
إن الجبان حتفه من فوقه
كل امرئ مجاهد بطوقه [1]
كالثور يحمى جلده بروقه [2]
قالت: قلت: والله مايدري عامر مايقول. قالت: وكان بلال إذا أقلع عنه الحمى اضطجع بفناء البيت ثم يرفع عقيرته [3] ، ويقول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة
بواد وحولي إذخر [4] وجليل
وهل أُرِدَن يومًا مياه مَجِنَة
وهل يبدون لي شامة وطفيل [5]
قالت: فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: (اللهم حبِّب إلينا المدينة كحبنا مكة، أو أشد، اللهم وصحّحها وبارك لنا في مدها وصاعها وانقل حمّاها وأجعلها بالجحفة) [6] .
وقد استجاب الله دعاء نبيه صلى الله عليه وسلم وعوفي المسلمون بعدها من هذه الحمى، وغدت المدينة موطنًا ممتازًا لكل الوافدين والمهاجرين إليها من المسلمين على تنوع بيئاتهم ومواطنهم [7] .
شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد استقراره بالمدينة في تثبيت دعائم الدولة الاسلامية، فآخى بين المهاجرين والانصار، ثم أقام المسجد، وأبرم المعاهدة مع اليهود وبدأت حركة السرايا، واهتم بالبناء الاقتصادي والتعليمي والتربوي في المجتمع الجديد، وكان أبوبكر رضي لله عنه وزير صدق لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولازمه في كل أحواله ولم يغيب عن مشهد من المشاهد ولم يبخل بمشورة أو مال أو رأي [8] .
(1) بطوقه: بطاقته.
(2) بروقه: بقرنه.
(3) عقيرته: صوته.
(4) إذخر: نبات طيب الرائحة.
(5) شامة وطفيل: جبلان مشرفان على مجنة على بريد مكة.
(6) البخاري، كتاب الدعوات، باب الدعاء يرفع الوباء والوجع رقم 6372.
(7) التربية القيادية (2/310) .
(8) تاريخ الدعوة الى الاسلام في عهد الخلفاء الراشدين، ص121.