لقد خرج الصديق في تعبيته إلى ذي حُسَ وذي القصة، والنُّعمان وعبدالله وسُويد على ماكانوا عليه، حتى نزل على أهل الرَّبذة بالأبرق، فهزم الله الحارث وعوفًا وأخذ الحطيئة أسيرًا، فطارت عبس وبنو بكر، وأقام أبو بكر على الأبرق أيامًا، وقد غلب بني ذبيان على البلاد. وقال: حرام على ذبيان أن يتملكوا هذه البلاد إذ غنمناها الله وأجلاها فلما غلب أهل الردة، ودخلوا في الباب الذي خرجوا منه، وسامح الناس جاءت بنو ثعلبة، وهي كانت منازلهم لينزلوها، فمنعوا منها فأتوه في المدينة، فقالوا: علام نمنع من نزول بلادنا! فقال: كذبتم، ليست لكم ببلاد، ولكنها مَوْهبي ونَقَذي [1] ، ولم يُعْتبهم [2] ، وحمى الأبرق لخيول المسلمين، وأرعى سائر بلاد الرَّبذة الناس على بني ثعلبة، ثم حماها كلها لصدقات المسلمين، لقتال كان وقع بين الناس، وأصحاب الصدقات، وقال في يوم الأبرق زياد بن حنظلة:
ويوم بالأبارق قد شهدنا
على ذبيان يلتهب التهابا
أتيناهم بداهية نسُوفُ [3]
مع الصديق إذ ترك العتابا [4]
وهكذا يتعلم المسلمون من سيرة الصديق بأنه لم يكن يرغب بنفسه عن نفوس أتباعه بأي أمر من أمور الدنيا، وما اضطربت أمور المسلمين منذ زمن، إلا لأنهم كانوا يعدون الرئاسة وسيلة للجاه، وبابًا لجلب المغانم ودرء المغارم، وإيثارًا للعافية، والاكتفاء بالكلمات تزجى من وراء أجهزة الإعلام، أو من غرف العمليات، بعيدًا عن المشاركة مشاركة حقيقية في قضايا الأمة المختلفة [5] .
(1) النقذ: ما استنقذ من الأعداء.
(2) أي لم يُقل عشرتهم.
(3) أي شاقة.
(4) أي ترك إقالة العثرات؛ تاريخ الطبري (4/67) .
(5) حركة الردة، ص321.