وكان مجاعة بن مرارة سيدًا في بني حنيفة، شريفًا مطاعًا، فكان خالد كلما نزل منزلًا واستقر به، دعا مُجاعة فأكل معه وحدثه، فقال له ذات يوم: أخبرني عن صاحبك -يعني مسيلمة- ماالذي يقرأكم؟ هل تحفظ منه شيئًا؟ قال نعم: فذكر له شيئًا من رجزه، فقام خالد وضرب بإحدى يديه على الأخرى وقال: يامعشر المسلمين، اسمعوا إلى عدو الله كيف يعارض القرآن، ثم قال: ويحك يامجاعة، أراك رجلًا سيدًا عاقلًا اسمع إلى كتاب الله عزوجل، ثم انظر كيف عارضه عدو الله، فقرأ عليه خالد {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} فقال مجاعة: أما إن رجلا من أهل البحرين كان يكتب، أدناه مسيلمة وقرّبه حتى لم يكن يُعدّ له في القُرْب عنده أحد، فكان يخرج إلينا فيقول: ويحكم يا أهل اليمامة، صاحبكم والله كذّاب، وما أظنكم تتهموني عليه، إنكم لترون منزلتي عنده وحالي، هو والله يكذبكم وبايعكم على الباطل، قال خالد: فما فعل ذلك البحراني، قال: هرب منه، كان لايزال يقول هذا القول حتى بلغه فخافه على نفسه، فهرب، فلحق بالبحرين، قال خالد: هات زدنا من كذب الخبيث، فقال مجاعة بعض رجز مسيلمة، فقال خالد: وهذا كان عندكم حقًا، وكنتم تصدقونه؟ قال مجاعة: لو لم يكن عندنا حقا لما لقيتك غدًا أكثر من عشرة ألف سيف يضاربونك فيه حتى يموت الأعجل، قال خالد: إذًا يكفيناكم الله ويعز دينه، فإياه يقاتلون، ودينه يريدون [1] ، فهذا رد يدل على عظمة إيمان خالد وثقته بالله، فقد كان إيمانه بالله وثقته المطلقة في نصر الله لدينه، هما اللذان فجرا في شخصيته كنوز المواهب الحربية وفنون المهارات القيادية، لقد قاتل يوم بزاخة بسيفين حتى قطعهما فقد كان يملأ الإيمان قلبه، ويعتز بالله وحده، وكان ذلك كفيلًا بإسقاط هيبة عدوه من نفسه وغرس هيبته في قلب عدوه، وذلك أول الطريق لإحراز النصر الحاسم عليه، وإلحاق الهزيمة الساحقة به [2] .
(1) حروب الردة، ص82.
(2) حركة الردة للقيوم، ص218، 219.