وبإسلام أبي بكر عم السرور قلب النبي صلى الله عليه وسلم حيث تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: فلما فرغ من كلامه -أي النبي صلى الله عليه وسلم- أسلم أبوبكر فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده، ومابين الأخشبين أحد أكثر سرورًا منه بإسلام أبي بكر [1] . لقد كان ابوبكر كنزًا من الكنوز ادخره الله تعالى لنبيه وكان من أحب قريش لقريش، فذلك الخلق السمح الذي وهبه الله تعالى إياه جعله من الموطئين أكنافًا، من الذين يألفون ويؤلفون، والخلق السمح وحده عنصر كافٍ لإلفة القوم وهو الذي قال فيه عليه الصلاة والسلام: أرحم أمتي بأمتي ابوبكر [2] ، وعلم الأنساب عند العرب، وعلم التاريخ هما أهم العلوم عندهم، ولدى أبي بكر الصديق رضي لله عنه النصيب الأوفر منهما، وقريش تعترف للصديق بأنه أ علمها بأنسابها وأعلمها بتاريخها، ومافيه من خير وشر، فالطبقة المثقفة ترتاد مجلس أبي بكر لتنهل منه علمًا لاتجده عند غيره غزارة ووفرة وسعة، ومن أجل هذا كان الشباب النابهون والفتيان الأذكياء يرتادون مجلسه دائمًا، إنهم الصفوة الفكرية المثقفة التي تود أن تلقى عنده هذه العلوم، وهذا جانب آخر من جوانب عظمته، وطبقة رجال الأعمال، ورجال المال في مكة، هي كذلك من رواد مجلس الصديق، فهو إن لم يكن التاجر الأول في مكة، فهو من أشهر تجارها، فأرباب المصالح هم كذلك قصاده، ولطيبته وحسن خلقه تجد عوام الناس يرتادون بيته، فهو المضياف الدمث الخلق، الذي يفرح بضيوفه، ويأنس بهم، فكل طبقات المجتمع المكي تجد حظها عند الصديق رضوان الله عليه [3] ، كان رصيده الأدبي والعلمي والاجتماعي في المجتمع المكي عظيمًا، ولذلك عندما تحرك في دعوته للاسلام استجاب له صفوة من خيرة الخلق [4] .
ثانيًا: دعوته:
(1) البداية والنهاية (3/29) .
(2) الألباني في صحيح الجامع الصغير (2/8) ج3.
(3) انظر: التربية القيادية للغضبان (1/115) .
(4) نفس المصدر (1/116) .