ولما علم الصديق بزواج خالد كتب إليه: يا ابن أم خالد، إنك لفارغ تنكح النساء، وبفناء بيتك دم ألف ومائتي رجل من المسلمين لم يجف بعد، ثم خدعك مجاعة عن رأيك فصالحك عن قومه وقد أمكن الله منهم [1] ، وإزاء هذا التعنيف الذي وصل إلى خالد من الخليفة بسبب مصالحته لمجّاعة وزواجه بابنته، بعث خالد إليه كتابًا جوابيًا مع أبي برزة الأسلمي يدافع فيه عن موقفه دفاعًا يتسم بوضوح الحجة وقوة المنطق [2] ، يقول فيه: أما بعد، فلعمري ماتزوجت النساء حتى تم لي السرور، وقرت بي الدار، وماتزوجت إلا إلى امرئ لو عملت إليه من المدينة خاطبًا لم أبل، دع أني استثرت خطبتي إليه من تحت قدمي، فإن كنت قد كرهت لي ذلك لدين أو لدنيا أعتبتك، وأما حسن عزائي عن قتلى المسلمين فوالله لو كان الحزن يبقي حيًا أو يرد ميتًا لأبقى حزني الحيّ ورد الميت ولقد أقتحمت حتى أيست من الحياة، وأيقنت بالموت، وأما خدعة مجاعة إياي عن رايي، فإني لم أخطئ رأيي يومي، ولم يكن لي علم بالغيب، وقد صنع الله للمسلمين خيرًا: أورثهم الأرض والعاقبة للمتقين [3] فلما قدم الكتاب على أبي بكر رضي لله عنه رقَّ بعض الرقة، وقام رهط من قريش فيهم أبو برزة الأسلمي، فعذروا خالدًا وقال أبو برزة: ياخليفة رسول الله مايوصف خالد بجبن ولاخيانة، ولقد أقحم في طلب الشهادة حتى أُعذر، وصبر حتى ظفر، وماصالح القوم إلا على رضاه وما أخطأ رأيه بصلح القوم، إذ هو لايرى النساء في الحصون إلا رجالا، فقال أبو بكر: صدقت، لكلامك هذا أولى بعذر خالد من كتابه إليّ [4] .
ونلحظ في رسالة خالد إلى أبي بكر بعض النقاط التي دافع بها عن نفسه والتي تمثلت بما يلي:
1-إنه لم يتزوج إلا بعد أن كسب النصر واطمأن به المقام.
(1) حروب الردة، ص97 نقلًا عن الاكتفاء (2/14) .
(2) حركة الردة للعتوم، ص233.
(3) حروب الردة، شوقي ابوخليل، ص98 نقلًا عن الاكتفاء (2/15) .
(4) حروب الردة، ص98.