إن خالد رضي لله عنه عندما أقدم على شرب السم كان في قمة اليقين والإيمان بأن الله جل جلاله هو الذي خلق كل شئ وأودع في كل شئ خصائصه، وأنه القادر على أن يلغي مفعول هذه الخصائص إذا أراد، لحكمة عالية وهدف عظيم، كما أذهب فعالية النار حينما ألقي فيها إبراهيم عليه السلام، وجعلها عليه بردًا وسلامًا، وقد حصل ذلك لغير الأنبياء عليهم السلام كما حصل لأبي مسلم الخولاني لما رفض أن يقر بنبوة الأسود العنسي الكذاب فألقاه في النار فوجدوه فيها قائمًا يصلي ولم تضره [1] ، كما أن خالدًا حينما أقدم على ذلك لم يخالج قلبه ذرة من إرادة حظ النفس وكسب السمعة والجاه، لأنه لو نوى شيئًا من ذلك لعلم أن الله تعالى سيتخلى عنه، وهو لاحول له ولاقوة على انتزاع أثر السم الضار، وهذه تجربة فذة لايُطلب من أي مسلم أن يخوضها ولو كان هدفه نفس الهدف الذي رمى إليه خالد، لأنه يندر أن يوجد من يبلغ إيمانه وثقته بالله تعالى إلى المستوى الذي بلغ إليه خالد رضي لله عنه وأرضاه [2] ، هذا وقد صلى خالد عندما فتح الحيرة ثماني ركعات بتسليمة واحدة [3] .
( من أدب الفتوحات العراقية:
ومما قاله القعقاع بن عمرو في فتح الحيرة:
سقى الله قتلى بالفرات مُقيمةً
وأخرى بأثباج النجَاف الكوانف [4]
ونحن وطئنا بالكواظم هرمزًا
وبالثني قَرْنَي قارن بالجوارف
ويوم أحطنا بالقصور تتابعت
على الحيرة الروحاء إحدى المصارف
حططناهم منها وقد كان عرشهم
يميل بِهُمْ فعل الجبان المخالف
رمينا عليهم بالقبول وقد رأوا
غبوقَ المنايا حول تلك المحارف [5]
صبيحة قالوا نحن قوم تنزَّلوا
إلى الرِّيف من أرض العريب المُقانِف [6]
(1) التاريخ الاسلامي (9/153) .
(2) نفس المصدر (9/154) .
(3) البداية والنهاية (4/352) .
(4) اثباج النجاف: اوسطها، والنجاف: اسم موضع.
(5) غبوق المنايا: سوادها وظلمتها. المحارف: الاماكن: حرف الشيء حده وجانبه.
(6) المقانف: المتشقق طينه، أو الأرض الغليظة.