ونضرب لذلك مثالًا يثبت ما نقصد إليه، ونكتفي ببيان موقفهم من"الأضحية"وهي مستحبة عند أكثر أهل العلم [1] ، وقد كان أبو بكر وعمر وأبو مسعود الأنصاري لا يُضَحون لكي لا يظُن الناسُ أن الأضحية واجبة وحتم عليهم، روى أبو سريحة الغفاري قال:"ما أدركت أبا بكر أو رأيت أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - كانا لا يضحيان -في بعض حديثهم- كراهية أن يُقْتدى بهما" [2] .
وعن أبي مسعود الأنصاري - رضي الله عنه - قال:"إنّي لأدع الأضحى وإني لموسر مخافة أن يرى جيراني أنه حَتْمٌ عليّ" [3] .
وهذا من الصحابة محافظة بالعمل -على ثبات الحكم- الذي هو مطلوب من كل من يُقْتدى به فإن القول قد لا يكفي في البيان في بعض الأحيان فلا بد من الفعل. وهذا دليل على أن الحكم يجب أن يبقى على الصفة التي شُرِعَ عليها وهذا هو معنى ثبات الحكم، فالأضحية مثلًا مندوب إليها وقد يظن بعض الناس أنها واجبة فبيّن كثير من الصحابة حكمها بالعمل، والبيان آكد، وذلك ليعلم من ظن وجوبها أنها ليست واجبة، إذْ لو كانت واجبة ما تركها هؤلاء الأئمة الذين يُقْتدى بهم.
(1) انظر المغني لإبن قدامة 9/ 435 - حققه محمود فايد، وعبد القادر عطا الطبعة الأولى 1389 هـ، وأكثر أهل العلم على أنها سنة مؤكدة، وأجابوا عما استدل به من قال بوجوبها بعدة أجوية -9/ 435 - 436، وبصرف النظر عن تفصيل القول في هذه المسألة فإن المقصد من الإتيان بها متحقق بدون ذلك، لأنا نقصد بيان موقف كبار الصحابة من المحافظة على الحكم الشرعي كما علموه والتأكيد على ذلك في منهج تربوي عملي.
(2) أخرجه البيهقي 9/ 295 وأبو سريح هو حذيفة بن أُسيّد صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال الألباني حديث صحيح 4/ 355 إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل - إشراف زهير الشاويش - الطبعة الثانية - المكتب الإِسلامي 1405 هـ.
(3) أخرجه البيهقي أيضًا 9/ 295 وصححه الألباني - إرواء الغليل 4/ 355 وقد نقل الإِمام الشاطبي شيئًا من هذه الآثار واستدل بها على محافظة الصحابة على استقرار الأحكام. انظر الموافقات 3/ 207.