وكما لا يُسوى بين المندوب والواجب حتى لا تتغيّر الأحكام وتتبدّل كذلك لا يُسوى بين المباحات والمندوبات ولا بينها وبين الكروهات، قال الإِمام الشاطبي:"المباحات من حقيقة استقرارها مباحات أنْ لا يُسوى بينها وبين المندوبات ولا المكروهات" [1] .
و"المكروهات من حقيقة استقرارها مكروهات أن لا يسوى بينها وبين المحرمات ولا بينها وبين المباحات" [2] .
ومن أمثلة ذلك: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - عن كراهيته لأكل الضب:"... لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه" [3] ، وأُكِلَ على مائدته فأقر ذلك، فظهر أنه مباح الأكل، فلمْ يُسو بينه وبين الحرام أو المكروه، وكذلك المكروهات لو سُوّي بينها وبين المحرمات لتوهمها الناس محرمات فإذا طال عليهم العهد صيّروا تركها واجبًا [4] .
وهذا التقرير من الإِمام الشاطبي حسن، ولا يُقال إن في ذلك ارتكابًا للمكروه أو تركًا لمندوب. فقد أجاب -رَحِمَهُ اللهُ-: بأن البيان آكد، وذلك أن المحافظة على استقرار الأحكام - بحيث يبقى الحرام حرامًا فلا يلتبس بغيره من الأحكام الأخرى، ويبقى الواجب واجبًا فلا يلتبس بغيره، وكذلك المندوب والمكروه والمباح - المحافظة هذه آكد لأنها بيان -ممن يُقْتدى بهم- لازم لاستقرار أحكام الشريعة [5] ، وبعدم تحقق ذلك يتحقق الضد وهو عدم استقرار الأحكام فيلْحقها التغيير والتبديل، فيكون المندوب واجبًا وهو ليس كذلك وهكذا في بقية الأحكام.
(1) الموافقات 3/ 211.
(2) الموافقات 3/ 212.
(3) الحديث قطعة من حديث ابن عباس عن خالد - رضي الله عنهم -، كتاب الذبائح والصيد، باب الضب من صحيح البخاري بشرح فتح الباري 9/ 662 - 663.
(4) الموافقات 3/ 212.
(5) الموافقات 3/ 212 - 213.