ثالثًا: لمَ نقيس الأمور بنتائجها الآنية الظاهرة؟! وإنما الميزان القسط هو تقييم أصل العمل إن كان مستوفيًا للشروط وليس يضيره بعد ذلك أن لا يحقق الهدف منه.
إن القياس بالنتائج فحسب ليس من شأن المؤمنين الذين يعلمون أن النتائج بيد الله تعالى وما على العبد إلا أن يجتهد ويتحرى ومن ذلك الاستفادة والاعتبار من التجارب السابقة والمشاورة بين أهل الخبرة في ذلك ثم يعزم ويتوكل على الله تعالى كما قال سبحانه وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين {فإذا أخذ المؤمن بذلك فإنه قد اجتهد فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد، وأما أن يقال بعد ذلك إن عملك حين لم يؤد النتيجة المطلوبة أو ترتب عليه مفسدة معينة فهو خطأ في أصله وتعجل فإن هذا خلل في التقييم والميزان والله تعالى يقول} وإذا قلتم فاعدلوا {ويقول} وزنوا بالقسطاس المستقيم ويقول (ولا تبخسوا الناس أشياءهم) .
والله تعالى قال لنبيه الذي يتنزل عليه الوحي صلى الله عليه و سلم (إن عليك إلا البلاغ) وقال: إن أنت إلا نذير {وقال:} وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب {قال الطبري رحمه الله 13/ 172يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه و سلم وإما نرينك يا محمد في حياتك بعض الذي نعد هؤلاء المشركين بالله من العقاب على كفرهم أو نتوفينك قبل أن نريك ذلك فإنما عليك أن تنتهي إلى طاعة ربك فيما أمرك به من تبليغهم رسالته ا. هـ وقال سبحانه:} إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ، والآيات في أن العبد ليس عليه إلا ما أمر به وليس عليه النتيجة كثيرة.
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه و سلم (ورأيت النبي ومعه الرهط والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي وليس معه أحد) فهل يا ترى مثل هؤلاء الأنبياء عليهم السلام يمكن أن يخطر على بال مسلم أنهم قصروا في الأخذ بالأسباب في دعوتهم؟! حاشاهم وربي من ذلك.
وإذا هزم المسلم وانكسر وابتلي بقتل أو كلم أو أسر فهذا هو شأن الجهاد ولا ينبغي أن يعد ذلك من خطأ الأصل ما دام مبنيا على أسس صحيحة.