من كل متعاهد، بل هو إلزامٌ من الأمم المتحدة التي اصطلحوا على إعطائها قوةً تشريعيَّةً تُحرِّمُ وتُجرِّم، وتنهى وتأمر، ويحقُّ لهم مُقاتلة من أبى الدخول فيها، والتوقيع على بنودها الكفريَّة، ومن أهونها كفرًا اتفاقهم على عدم التفريق بين مسلم وكافر، وعلى إنكار أمور معلومةٍ من الدين بالضرورةِ، بل وعدّها من الجرائم المتفق عليها بينهم، كالإرهاب الذي يُدخلون فيه قتال المسلمين للكُفَّار لسببٍ دينيٍّ، وغيره؛ فالعهد هذا، لا يعصم دمَ المُعاهَد من الكُفَّار، بل يهدر وربِّك دم من عاهدَ من المنتسبين للإسلام المعصومين بحرمته قبل دخول العهد.
فالعهد يستند قانونيًّا إلى الطاغوت، ويستمدُّ شرعيَّته من الطَّاغوت، ويُتحاكم فيه عند النزاع إلى الطاغوت، فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى.
وأمَّا لوازم هذا العهد، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطلٌ"، والتحقيق في معنى هذا الحديث والله أعلم: أنَّ كلَّ شرطٍ استلزم بالوضعِ ما يُخالفُ الشَّرعَ شرطٌ باطلٌ، ومنهُ التأجير المنتهي بالتمليك بصورته الموجودة كما قُرِّر وحُرِّر في غير هذا الموضع [1] .
وهذه العهودُ، تأذنُ فيما تأذن، وفيما سُطر في ملّة الأمم المتّحدة: بإقامة الكنائس في بلاد المسلمين، ومعلومٌ الإجماع على تحريم إحداثِها في بلاد المسلمين، وتجعل فيما تجعلُ للكُفَّار أرضًا من أرض المسلمين، كانت قبل دخولهم محكومةً بحكم الله، تجعلها أرضًا لا يجري عليها غير أحكام بلادهم، كالمناطق الدبلوماسيَّة، وكمُجمّعات إسكان هؤلاء الأمريكان، والحديثُ عنها يردُ بتفصيلٍ أوسعَ عند الكلام على مسألة الطائفة الممتنعة في جواب السُّؤال الثاني بإذن الله.
هذا فيما يتعلَّق بالمقام الأوَّل: وهو صحّة العهد في نفسه، وقد تبيّن أنَّه باطلٌ من جهة المدّة، ومن جهة المشرِّع، ومن جهة اللوازم، وكلُّ واحدةٍ من هذه الثلاث تكفي لبطلان العهد في المقام الأوَّل، وبطلانه في المقام الأوَّل كافٍ في إبطالِه، إلاَّ أنَّا سنتعرَّضُ للمقامات الثَّلاث، لتتبيَّن رعاك الله أنَّ تسمية الأمريكان القتلى في تفجيرات الرياض معاهدين من أبطل الباطل، وأبعده عن أن يكون حقًّا أو شبيهًا بالحقِّ.
(1) والحيلة الصحيحة فيه - عند من لا يشترط القبض في لزوم الرهن - أن يُباع المبيع، ويُرهَنَ على ثمنه رهنًا غير مقبوضٍ، وراجع كلام ابن القيم عن الحيل الصحيحة في أعلام الموقعين.