فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 93

وأمَّا من كان مقيمًا في بلد إسلامٍ أخرى، فلم تجب عليه الهجرة، فضلًا عن الممنوع من دخول بلاد الحرمين، والتي تعدّون حاكمها مسلمًا، فكيف يسقط واجب نصرته مع حرصه على الهجرة والمجيء وعجزه عن ذلك، أو عدم وجوبها عليه أصلًا ولا مطالبته بها شرعًا؟

وولاية الإسلام أولى من كل ولايةٍ بالحفظ والحياطة والالتزام بلوازمها والقيام بواجباتها، وأصحاب هذا القول يدّعون أنَّ المسلم كالدولة الكافرة المعاهدة لنا من كل وجه، فلا يجوز أن ننصر أحدهما على الآخر.

وعلى التنزُّل في كلِّ هذا، وإدخال كل مسلم في أرض الله خارج هذه البلاد فيمن يسقط واجب نصرتهم إذا قاتلوا معاهدين، فإنَّ الآية في الاستنصار على العدوِّ لا الاستغاثة، والفرق أن المستغيث هو من دهمه العدوُّ، أو غلبه على أرضه وبلده، وأمَّا المستنصر فهو من يُقاتل العدوَّ إمَّا غازيًا له وإما على السواء، ثمَّ يعجز عن غلبته، فيحتاج إلى من ينصره، فالمستنصر طالب النصر على العدو، والمستغيث طالب للغوث والسلامة من العدوِّ الصائل.

وقد يُطلق النَّصر، ويُراد به الإغاثة من العدوِّ، ويقال فيه حينئذٍ: نصره من عدوِّه، لا نصره على عدوِّه، فيكون نصره منه بمعنى أنجاه منه، ونصره عليه بمعنى أظهره عليه، والنَّصر في الآية مُعدًّى بعلى {فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق} ، وهذا إن كانت على في الآية متعلّقةً بالنّصر، أمَّا إذا تعلّقت بالاستنصار، فإنَّ التعدية بعلى في الاستنصار تشمل المعنيَين، والأصل والظاهر أنَّها متعلّقة بالنصر.

و إذا دخل العدو بلدًا من بلاد المسلمين، فإنَّ دفعه فرضُ كفايةٍ على الأمَّة، وهو فرض عينٍ على أهل البلد، فإن لم يقوموا به وجب على من حولهم، ثمَّ يتّسع الواجب حتّى يأثم الكافَّة إن لم يقم به من يكفي كما هو معروف في الواجب الكفائيِّ، فهل يجوز التعاهد مع عدوٍّ على إلغاء شيءٍ هو من الفرائض الواجبة المتعيّنة على كل واحدٍ من المسلمين؟ بل كل عهد تضمّن هذا باطلٌ ساقط، وكتاب الله أحقُّ، وشرط الله أوثقُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت