فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 207

ولم تضع الحرب أوزارها لحظة واحدة حتى اللحظة الحاضرة . فقد دأبت الصهيونية العالمية والصليبية العالمية على الكيد للإسلام , وظلتا تغيران عليه أو تؤلبان عليه في غير وناة ولا هدنة في جيل من الأجيال . حاربوه في الحروب الصليبية في المشرق , وحاربوه في الأندلس في المغرب , وحاربوه في الوسط في دولة الخلافة الأخيرة حربا شعواء حتى مزقوها وقسموا تركة ما كانوا يسمونه"الرجل المريض". . واحتاجوا أن يخلقوا أبطالا مزيفين في أرض الإسلام يعملون لهم في تنفيذ أحقادهم ومكايدهم ضد الإسلام . فلما أرادوا تحطيم"الخلافة"والإجهاز على آخر مظهر من مظاهر الحكم الإسلامي صنعوا في تركيا"بطلا"! . .

ونفخوا فيه . وتراجعت جيوش الحلفاء التي كانت تحتل الأستانة أمامه لتحقق منه بطلا في أعين مواطنيه . بطلا يستطيع إلغاء الخلافة , وإلغاء اللغة العربية وفصل تركيا عن المسلمين , وإعلانها دولة مدنية لا علاقة لها بالدين ! وهم يكررون صنع هذه البطولات المزيفة كلما أرادوا أن يضربوا الإسلام والحركات الإسلامية في بلد من بلاد المسلمين , ليقيموا مكانه عصبية غير عصبية الدين ! وراية غير راية الدين .

(يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم . والله متم نوره ولو كره الكافرون) . .

وهذا النص القرآني يعبر عن حقيقة , ويرسم في الوقت ذاته صورة تدعو إلى الرثاء والاستهزاء ! فهي حقيقة أنهم كانوا يقولون بأفواههم: (هذا سحر مبين) . . ويدسون ويكيدون محاولين القضاء على الدين الجديد . وهي صورة بائسة لهم وهم يحاولون إطفاء نور الله بنفخة من أفواههم وهم هم الضعاف المهازيل !

(والله متم نوره ولو كره الكافرون) . .

وصدق وعد الله . أتم نوره في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم فأقام الجماعة الإسلامية صورة حية واقعة من المنهج الإلهي المختار . صورة ذات معالم واضحة وحدود مرسومة , تترسمها الأجيال لا نظرية في بطون الكتب , ولكن حقيقة في عالم الواقع . وأتم نوره فأكمل للمسلمين دينهم وأتم عليهم نعمته ورضي لهم الإسلام دينا يحبونه , ويجاهدون في سبيله , ويرضى أحدهم أن يلقى في النار ولا يعود إلى الكفر . فتمت حقيقة الدين في القلوب وفي الأرض سواء . وما تزال هذه الحقيقة تنبعث بين الحين والحين . وتنبض وتنتفض قائمة - على الرغم من كل ما جرد على الإسلام والمسلمين من حرب وكيد وتنكيل وتشريد وبطش شديد . لأن نور الله لا يمكن أن تطفئه الأفواه , ولا أن تطمسه كذلك النار والحديد , في أيدي العبيد ! وإن خيل للطغاة الجبارين , وللأبطال المصنوعين على أعين الصليبيين واليهود أنهم بالغو هذا الهدف البعيد !

لقد جرى قدر الله أن يظهر هذا الدين , فكان من الحتم أن يكون:

(هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله , ولو كره المشركون) . .

وشهادة الله لهذا الدين بأنه (الهدى ودين الحق) هي الشهادة . وهي كلمة الفصل التي ليس بعدها زيادة . ولقد تمت إرادة الله فظهر هذا الدين على الدين كله . ظهر في ذاته كدين , فما يثبت له دين آخر في حقيقته وفي طبيعته . فأما الديانات الوثنية فليست في شيء في هذا المجال . وأما الديانات الكتابية فهذا الدين خاتمتها , وهو الصورة الأخيرة الكاملة الشاملة منها , فهو هي , في الصورة العليا الصالحة إلى نهاية الزمان .

ولقد حرفت تلك الديانات وشوهت ومزقت وزيد عليها ما ليس منها , ونقصت من أطرافها , وانتهت لحال لا تصلح معه لشيء من قيادة الحياة . وحتى لو بقيت من غير تحريف ولا تشويه فهي نسخة سابقة لم تشمل كل مطالب الحياة المتجددة أبدا , لأنها جاءت في تقدير الله لأمد محدود .

فهذا تحقيق وعد الله من ناحية طبيعة الدين وحقيقته . فأما من ناحية واقع الحياة , فقد صدق وعد الله مرة , فظهر هذا الدين قوة وحقيقة ونظام حكم على الدين كله فدانت له معظم الرقعة المعمورة في الأرض في مدى قرن من الزمان . ثم زحف زحفا سلميا بعد ذلك إلى قلب آسيا وأفريقية , حتى دخل فيه بالدعوة المجردة خمسة أضعاف من دخلوا في إبان الحركات الجهادية الأولى . . وما يزال يمتد بنفسه دون دولة واحدة - منذ أن قضت الصهيونية العالمية والصليبية العالمية على الخلافة الأخيرة في تركيا على يدي"البطل"الذي صنعوه ! - وعلى الرغم من كل ما يرصد له في أنحاء الأرض من حرب وكيد , ومن تحطيم للحركات الإسلامية الناهضة في كل بلد من بلاد الإسلام على أيدي"أبطال"آخرين من صنع الصهيونية العالمية والصليبية العالمية على السواء .

وما تزال لهذا الدين أدوار في تاريخ البشرية يؤديها , ظاهرا بإذن الله على الدين كله تحقيقا لوعد الله , الذي لا تقف له جهود العبيد المهازيل , مهما بلغوا من القوة والكيد والتضليل !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت