فهو الصبر والعزم والصمود أمام قوتهم إن كانوا أقوياء ; وأمام مكرهم وكيدهم إن سلكوا طريق الوقيعة والخداع . الصبر والتماسك لا الانهيار والتخاذل ; ولا التنازل عن العقيدة كلها أو بعضها اتقاء لشرهم المتوقع أو كسبا لودهم المدخول . . ثم هو التقوى:الخوف من الله وحده . ومراقبته وحده . . هو تقوى الله التي تربط القلوب بالله , فلا تلتقي مع أحد إلا في منهجه , ولا تعتصم بحبل إلا حبله . . وحين يتصل القلب بالله فإنه سيحقر كل قوة غير قوته ; وستشد هذه الرابطة من عزيمته , فلا يستسلم من قريب , ولا يواد من حاد الله ورسوله , طلبا للنجاة أو كسبا للعزة !
هذا هو الطريق:الصبر والتقوى . . التماسك والاعتصام بحبل الله . وما استمسك المسلمون في تاريخهم كله بعروة الله وحدها , وحققوا منهج الله في حياتهم كلها . . إلا عزوا وانتصروا , ووقاهم الله كيد أعدائهم , وكانت كلمتهم هي العليا . وما استمسك المسلمون في تاريخهم كله بعروة أعدائهم الطبيعيين , الذين يحاربون عقيدتهم ومنهجهم سرا وجهرا , واستمعوا إلى مشورتهم , واتخذوا منهم بطانة وأصدقاء وأعوانا وخبراء ومستشارين . . إلا كتب الله عليهم الهزيمة , ومكن لأعدائهم فيهم , وأذل رقابهم , وأذاقهم وبال أمرهم . . والتاريخ كله شاهد على أن كلمة الله خالدة ; وأن سنة الله نافذة . فمن عمي عن سنة الله المشهودة في الأرض , فلن ترى عيناه إلا آيات الذلة والإنكسار والهوان . .
إن الإسلام يأمر المسلمين ألا يتخذوا بطانة من هؤلاء . ولكنه لا يحرضهم على مقابلة الغل والحقد والكراهية والدس والمكر بمثلها . إنما هي مجرد الوقاية للجماعة المسلمة وللصف المسلم , وللكينونة المسلمة . . مجرد الوقاية ومجرد التنبيه إلى الخطر الذي يحيطها به الآخرون . .
أما المسلم فبسماحة الإسلام يتعامل مع الناس جميعا ; وبنظافة الإسلام يعامل الناس جميعا ; وبمحبة الخير الشامل يلقى الناس جميعا ; يتقي الكيد ولكنه لا يكيد , ويحذر الحقد ولكنه لا يحقد . إلا أن يحارب في دينه , وأن يفتن في عقيدته , وأن يصد عن سبيل الله ومنهجه . فحينئذ هو مطالب أن يحارب , وأن يمنع الفتنة , وأن يزيل العقبات التي تصد الناس عن سبيل الله , وعن تحقيق منهجه في الحياة . يحارب جهادا في سبيل الله لا انتقاما لذاته . وحبا لخير البشر لا حقدا على الذين آذوه . وتحطيما للحواجز الحائلة دون إيصال هذا الخير للناس . لا حبا للغلب والاستعلاء والاستغلال . . وإقامة للنظام القويم الذي يستمتع الجميع في ظله بالعدل والسلام . لا لتركيز راية قومية ولا لبناء امبراطورية !
هذه حقيقة تقررها النصوص الكثيرة من القرآن والسنة ; ويترجمها تاريخ الجماعة المسلمة الأولى , وهي تعمل في الأرض وفق هذه النصوص .
إن هذا المنهج خير . وما يصد البشرية عنه إلا أعدى أعداء البشرية . الذين ينبغي لها أن تطاردهم , حتى تقصيهم عن قيادتها . . وهذا هو الواجب الذي انتدبت له الجماعة المسلمة , فأدته مرة خير ما يكون الأداء . وهي مدعوة دائما إلى أدائه , والجهاد ماض إلى يوم القيامة . . تحت هذا اللواء . . (الظلال)
وفي الوسيط - (ج 1 / ص 717)
قال الفخر الرازى ما ملخصه: اختلفوا في الذين نهى الله المؤمنين عن مخالطتهم من هم؟ فقيل هم اليهود ، لأن بعض المسلمين كانوا يشاورونهم في أمورهم ويؤانسونهم لما كان فيهم من الرضاع والحلف . وقيل هم المنافقون ، وذلك لأن بعض المؤمنين كانوا يغترون يظاهر أقوالهم فيفشون إليهم الأسرار والصحيح أن المراد بهم جميع أصناف الكفار ، والدليل عليه قوله تعالى: { بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ } فمنع المؤمنين أن يتخذوا بطانة من غير المؤمنين ، فيكون ذلك نهيا عن جميع الكفار"."
والبطانة في الأصل: داخل الثوب ، وجمعها بطائن . قال - تعالى -: ( مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الجنتين دَانٍ ) . وظاهر الثوب يسمى الظهارة ، والبطانة - أيضاص - الثوب الذى يجعل تحت ثوب آخر ويسمى الشعار ، وما فوقه الدثار وفى الحديث"الأنصار شعار والناس دثار".
ثم أطلقت البطانة على صديق الرجل وصفيه الذى يطلع على شئونه الخفية تشبيها ببطانة الثياب في شدة القرب من صاحبها . قال الشاعر:
أولئك خلصائي نعم وبطانتى ... وهم عيبتى من دون كل قريب
وقوله: { مِّن دُونِكُمْ } أى من غير أهل ملتكم .
والمعنى: لا يجوز لكم - أيها المؤمنون - أن تتخذوا من غير أهل ملتكم أصفياء وأولياء تلقون إليهم بأسراركم لاتى لا يصح لكم أن تطلعوهم عليها ، لأنكم لو فعلتم ذلك لأصابكم الضرر في دينكم ودنياكم .