فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 207

قال القرطبى:"نهى الله المؤمنين بهذه الآية أن يتخذوا من الكفار واليهود وأهل الأهواء دخلاء وولجاء ، يفاوضونهم في الآراء ويسندون إليهم أمورهم . وفى سنن أبى داود عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:"المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل"وقيل لعمر بن الخطاب - رضى الله عنه - إن ههنا رجلا من نصارى الحيرة لا أحد أكتب منه ولا أخط بقلم ، أفلا يكتب عنك؟ فقال: لا آخذ بطانة من دون المؤمنين".

ثم قال القرطبى - رحمه الله -: قلت وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمان باتخاذ أهل الكتاب كتبة وأمناء ، وتسودوا بذلك عند الجهلة الأغبياء من الولاة والأمراء . روى البخارى عن أبى سعيد الخدرى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:"ما بعث الله من نبى ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه . وبطانة تأمره بالشر وتحثه عليه ، والمعصوم من عصمه الله".

وصدر - سبحانه - النداء بوصف الإيمان ، للإشعار بأن مقتضى الإيمان يوجب عليهم ألا يأمنوا من يخالفهم في عقيدتهم على أسرارهم ، وألا يتخذوا أعداء الله وأعداءهم أولياء يلقون إليهم بالمودة ، وألا يطلعوهم على ما يجب إخفاؤه من شئون وأمور خاصة بالمؤمنين وقوله: { مِّن دُونِكُمْ } يجوز أن يكون صفة لبطانة فيكون متعلقًا بمحذوف ، أى لا تتخذوا بطانة كائنة من غيركم .

ويجوز أن يكون متعلقا بقوله: { لاَ تَتَّخِذُواْ } أى لا تتخذوا من غير أهل ملتكم بطانة تصافونهم وتطلعونهم على أسراركم .

ثم ذكر - سبحانه - جملة من الأسباب التى تجعل المؤمنين يمتنعون عن مصافاة هؤلاء الذين يخالفونهم في عقيدتهم فقال في بيان أول هذه الأسباب: { لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا } وأصل"الألو": التقصير . يقال: ألا في الأمر - كغزا - يألو ألوًا وألوا ، إذا قصر فيه ، ومنه قول امرىء القيس:

وما المرء ما دامت حشاشة نفسه ... بمدرك أطراف الخطوب ولا آل

أراد ولا مقصر ، وهو - أى الفعل"يألو"من الأفعال اللازمة التى تتعدى إلى المفعول بالحرف ، وقد يستعمل متعديا إلى مفعولين كا في قولهم: لا آلوك نصحًا ، على تضمين الفعل معنى المنع . أى لا أمنعك ذلك .

والخبال: الشر والفساد . وأصله ما يلحق الحيوان من مرض وفتور فيورثه فسادا واضطرابًا . يقال خبله وخبله فهو خابل . والجمع الخبل ورجل مخبل إذا أصيب بمرض أورثه اضطرابًا وفسادًا في قواه العقلية والفكرية .

والمعنى: أنهاكم - أيها المؤمنون - عن أن تتخذوا أولياء وأصفياء لكم من غير إخوانكم المؤمنين ، لأن هؤلاء الأولياء من غير إخوانكم المؤمنين ، لا يقصرون في جهد يبذلونه في إفساد أمركم ، وفيما يورثكم شرا وضرا . أو لا يمنعونكم خبالا ، أى أنهم يفعلون معكم ما يقدرون عليه من الفساد ولا يبقون شيئًا منه عندهم ، بل يبذلون قصارى جهدهم في إليحاق الضرر بكم في دينكم ودنياكم .

وقوله: { لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا } جملة مستأنفة مبينة لحالهم داعية إلى اجتنابهم . أو صفة لقوله: { بِطَانَةً } .

وقوله: { خَبَالًا } منصوب على أنه المفعول الثانى ليألونكم لتضمينه معنى يمنعونكم .

ويصح أن يكون منصوبا بنزع الخافض أى لا يقصرون لكم عن جهد فيما يورثكم شرا وفسادا .

أما السبب الثانى الذى يحمل المؤمنين على اجتناب هؤلاء الضالين فقد بينه - سبحانه - بقوله: { وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ } .

وقوله: { وَدُّواْ } من الود وهو المحبة . يقال: وددت كذا أى أحببته .

وقوله: { عَنِتُّمْ } من العنت وهو شدة الضرر والمشقة . ومنه قوله - تعالى -: { وَلَوْ شَآءَ الله لأَعْنَتَكُمْ } أى لأوقعكم فيما يشق عليكم .

و { مَا } فى قوله: { مَا عَنِتُّمْ } هى ما المصدرية . أى: أن هؤلاء الذين تصافونهم وتفشون إليهم أسراركم مع أنهم ليسوا على ملتكم ، بجانب أنهم لا يألون جهدا في إفساد أمركم ، فإنهم يحبون عنتكم ومشقتكم وشدة ضرركم ، وتفريق جمعكم ، وذهاب قوتكم .

فالجملة الأولى وهى قوله: { لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا } بمنزلة المظهر والنتيجة ، وهذه . أى قوله تعالى: { وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ } بمنزلة الباعث والدافع .

فهم لا يودون للمسلمين الخير والاطمئنان والأمان ، وأنما يودون لهم الشقاء والشرور والخسران .

وليس بعاقل ذلك الذى يطلع من يريد له الشرور على أسراره ودخائله .

وأما السبب الثالث الذى يدعو المؤمنين إلى اجتنابهم فقد بينه الله - تعالى - بقوله: { قَدْ بَدَتِ البغضآء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ } .

والبغضاء مصدر كالسراء والضراء ، وهى البغض الشديد المتمكن في النفوس ، والثابت في القلوب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت