والمقصود قطعا بالذين كفروا وكذبوا في هذا الموضع هم الذين يسمعون - من الذين قالوا إنا نصارى - ثم لا يستجيبون . . والقرآن يسميهم الكافرين كلما كانوا في مثل هذا الموقف . سواء في ذلك اليهود والنصارى ; ويضمهم إلى موكب الكفار مع المشركين سواء ; ما داموا في موقف التكذيب لما أنزل الله على رسوله من الحق ; وفي موقف الامتناع عن الدخول في الإسلام الذي لا يقبل الله من الناس دينا سواه . . نجد هذا في مثل قول الله سبحانه:
(لم يكن الذين كفروا - من أهل الكتاب والمشركين - منفكين حتى تأتيهم البينة) . .
(إن الذين كفروا - من أهل الكتاب والمشركين - في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية) .
(لقد كفر الذين قالوا:إن الله ثالث ثلاثة) . .
(لقد كفر الذين قالوا:إن الله هو المسيح ابن مريم) . .
(لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم) . .
فهو تعبير مألوف في القرآن , وحكم معهود . . وهو يأتي هنا للتفرقة بين فريقين من الذين قالوا:إنا نصارى ; وللتفرقة بين موقف كل فريق منهما تجاه الذين آمنوا ; وللتفرقة كذلك بين مصير هؤلاء وأولئك عند الله . . هؤلاء لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين وأولئك أصحاب الجحيم . .
وليس كل من قالوا:إنهم نصارى إذن داخلين في ذلك الحكم: (ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا) . . كما يحاول أن يقول من يقتطعون آيات القرآن دون تمامها إنما هذا الحكم مقصور على حالة معينة لم يدع السياق القرآني أمرها غامضا , ولا ملامحها مجهلة , ولا موقفها متلبسا بموقف سواها في كثير ولا قليل . .
ولقد وردت روايات لها قيمتها في تحديد من هم النصارى المعنيون بهذا النص:
أورد القرطبي في تفسيره:"وهذه الآية نزلت في النجاشي وأصحابه , لما قدم عليهم المسلمون في الهجرة الأولى - حسب ما هو مشهور في سيرة ابن اسحاق وغيره - خوفا من المشركين وفتنتهم ; وكانوا ذوي عدد ثم هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد ذلك فلم يقدروا على الوصول إليه , حالت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرب فلما كانت وقعة بدر وقتل الله فيها صناديد الكفار , قال كفارقريش:إن ثأركم بأرض الحبشة فأهدوا إلى النجاشي وابعثوا له برجلين من ذوي رأيكم يعطيكم من عنده , فتقتلونهم بمن قتل منكم ببدر . فبعث كفار قريش عمرو بن العاص وعبدالله بن أبي ربيعة بهدايا . فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك , فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري وكتب معه إلى النجاشي ; فقدم على النجاشي , فقرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين , وأرسل إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم . ثم أمر جعفر أن يقرأ عليهم القرآن , فقرأ سورة"مريم"فقاموا تفيض أعينهم من الدمع . فهم الذين أنزل الله فيهم: (ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا:إنا نصارى) وقرأ إلى (الشاهدين) [ رواه أبو داود . قال:حدثنا محمد بن مسلمة المرادي , قال:حدثنا ابن وهب . قال:أخبرني يونس عن ابن شهاب , عن أبي بكر عبدالرحمن بن الحرث بن هشام . وعن سعيد بن المسيب وعن عروة بن الزبير:أن الهجرة الأولى هجرة المسلمين إلى أرض الحبشة . وساق الحديث بطوله ] ."
"وذكر البيهقي عن ابن إسحاق قال:قدم على النبي صلى الله عليه وسلم عشرون رجلا وهو بمكة , أو قريب من ذلك , من النصارى حين ظهر خبره , من الحبشة , فوجدوه في المسجد , فكلموه وسألوه , ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة . فلما فرغوا من مسألتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أرادوا , دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله عز وجل , وتلا عليهم القرآن . فلما سمعوه فاضت أعينهم من الدمع , ثم استجابوا له وآمنوا به وصدقوه , وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره . فلما قاموا من عنده اعترضهم أبو جهل في نفر من قريش فقالوا:خيبكم الله من ركب ! بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم فتأتونهم بخبر الرجل , فلم تطل مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال لكم , ما نعلم ركبا أحمق منكم - أو كما قال لهم - فقالوا:سلام عليكم لا نجاهلكم , لنا أعمالنا ولكم أعمالكم , لا نألو أنفسنا خيرا . . فيقال:إن النفر النصارى من أهل نجران . ويقال:إن فيهم نزلت هؤلاء الآيات: (الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون) إلى قوله: (لا نبتغي الجاهلين) ."