"وقيل:إن جعفرا وأصحابه قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في سبعين رجلا عليهم ثياب الصوف , فيهم اثنان وستون من الحبشة وثمانية من أهل الشام وهم بحيراء الراهب وإدريس وأشرف وأبرهة وثمامة وقثم ودريد وأيمن . فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة"يس"إلى آخرها , فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا به , وقالوا:ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى فنزلت فيهم (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا , ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا:إنا نصارى) 00 يعني وفد النجاشي 0 وكانوا أصحاب الصوامع0 وقال سعيد بن جبير:وأنزل الله فيهم أيضا (الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون) إلى قوله (أولئك يؤتون أجرهم مرتين) إلى آخر الآية 0 وقال مقاتل والكلبي كانوا أربعين رجلا من أهل نجران من بني الحرث بن كعب , واثنين وثلاثين من الحبشة , وثمانية وستين من أهل الشام 0 وقال قتادة:نزلت في ناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى , فلما بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم آمنوا به فأثنى الله عليهم"
وهذا الذي نقرره في معنى هذا النص ; والذي يدل عليه السياق بذاته , وتؤيده هذه الروايات التي أسلفنا , هو الذي يتفق مع بقية التقريرات في هذه السورة وفي غيرها عن موقف أهل الكتاب عامة - اليهود والنصارى - من هذا الدين وأهله 0كما أنه هو الذي يتفق مع الواقع التاريخي الذي عرفته الأمة المسلمة خلال أربعة عشر قرنا .
إن السورة وحدة في اتجاهها وظلالها وجوها وأهدافها ; وكلام الله سبحانه لا يناقض بعضه بعضا0 (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرًا) . . وقد وردت في هذه السورة نفسها نصوص وتقريرات , تحدد معنى هذا النص الذي نواجهه هنا وتجلو 00 نذكر منها:
(يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء , بعضهم أولياء بعض , ومن يتولهم منكم فإنه منهم , إن الله لا يهدي القوم الظالمين) . .
قل:يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم 0 وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا , فلا تأس على القوم الكافرين . .
كذلك جاء في سورة البقرة: ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم 0 قل:إن هدى الله هو الهدى ; ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير . .
كذلك صدق الواقع التاريخي ما حذر الله الأمة المسلمة إياه ; من اليهود ومن النصارى سواء 0 وإذا كان الواقع التاريخي قد حفظ لليهود وقفتهم النكدة للإسلام منذ اليوم الأول الذي دخل فيه الإسلام عليهم المدينة ; في صورة كيد لم ينته ولم يكف حتى اللحظة الحاضرة ; وإذا كان اليهود لا يزالون يقودون الحملة ضد الإسلام في كل أرجاء الأرض اليوم في حقد خبيث وكيد لئيم 00 فإن هذا الواقع قد حفظ كذلك للنصارى الصليبيين أنهم اتخذوا من الإسلام موقف العداء منذ واقعة اليرموك بين جيش المسلمين وجيوش الروم - فيما عدا الحالات التي وقع فيها ما تصفه الآيات التي نحن بصددها فاستجابت قلوب للإسلام ودخلت فيه 0 وفيما عدا حالات أخرى آثرت فيها طوائف من النصارى أن تحتمي بعدل الإسلام من ظلم طوائف أخرى من النصارى كذلك ; يلاقون من ظلمها الوبال ! - أما التيار العام الذي يمثل موقف النصارى جملة فهو تلك الحروب الصليبية التي لم يخب أوارها قط - إلا في الظاهر - منذ التقى الإسلام والرومان على ضفاف اليرموك ! لقد تجلت أحقاد الصليبية على الإسلام وأهله في الحروب الصليبية المشهورة طوال قرنين من الزمان , كما تجلت في حروب الابادة التي شنتها الصليبية على الاسلام والمسلمين في الاندلس ر , ثم في حملات الاستعمار والتبشير على المماليك الإسلامية في إفريقية أولا , ثم في العالم كله أخيرا . .
ولقد ظلت الصهيونية العالمية والصليبة العالمية حليفتين في حرب الإسلام - على كل ما بينهما من أحقاد - ولكنهم كانوا في حربهم للإسلام كما قال عنهم العليم الخبير: (بعضهم أولياء بعض) حتى مزقوا دولة الخلافة الأخيرة 0 ثم مضوا في طريقهم ينقضون هذا الدين عروة عروة . وبعد أن أجهزوا على عروة (الحكم) ها هم أولاء يحاولون الإجهاز على عروة"الصلاة"!
ثم ها هم أولاء يعيدون موقف اليهود القديم مع المسلمين والوثنين 0 فيؤيدون الوثنية حيثما وجدت ضد الإسلام 0 عن طريق المساعدات المباشرة تارة , وعن طريق المؤسسات الدولية التي يشرفون عليها تارة أخرى ! وليس الصراع بين الهند وباكستان على كشمير وموقف الصليبية منها ببعيد .
وذلك فوق إقامة واحتضان وكفالة الأوضاع التي تتولى سحق حركات الإحياء والبعث الإسلامية في كل مكان على وجه الأرض . وإلباس القائمين بهذه الأوضاع أثواب البطولة الزائفة ودق الطبول من حولهم , ليستطيعوا الإجهاز على الإسلام , في زحمة الضجيج العالمي حول الأقزام الذين يلبسون أردية الأبطال !