فهرس الكتاب

الصفحة 180 من 207

وهذا الذي يكتب هذا التقرير لم يبدأ بحثه من التقريرات الدينية عن نشأة الحياة . إنما بدأ بحثه من النظر الموضوعي لنواميس الحياة . والمنطق السائد في بحثه هو منطق"العلم الحديث"- بكل خصائصه - لا منطق الإلهام الفطري , ولا منطق الحس الديني . ومع ذلك فقد انتهى إلى الحقيقة التي يقررها الإلهام الفطري , كما يقررها الحس الديني . ذلك أن الحقيقة متى كان لها وجود , اعترض وجودها كل سالك إليها من أي طريق يسلكه إليها ; أما الذين لا يجدون هذه الحقيقة فهم الذين تعطلت فيهم أجهزة الإدراك جميعا !

والذين يجادلون في الله - مخالفين عن منطق الفطرة وعن منطق العقل , وعن منطق الكون . . أولئك كائنات تعطلت فيها أجهزة الاستقبال والتلقي جميعا . . إنهم العمي الذين يقول الله تعالى فيهم: (أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى) .

وإذا كانت هذه حقيقتهم ; فإن ما ينشئونه من مذاهب"علمية !"اجتماعية وسياسية واقتصادية ; وما ينشئون من نظريات عن الكون والحياة والإنسان والحياة الإنسانية والتاريخ الإنساني ; يجب أن ينظر إليها المسلم كما ينظر إلى كل تخبط , صادر عن أعمى , معطل الحواس الأخرى , محجوبا عن الرؤية وعن الحس وعن الإدراك جميعا - على الأقل فيما يتعلق بالحياة الإنسانية وتفسيرها وتنظيمها . وما ينبغي لمسلم أن يتلقى عن هؤلاء شيئا ; فضلا على أن يكيف نظرته , ويقيم منهج حياته , على شيء مقتبس من أولئك العمي أصلا !

إن هذه قضية إيمانية اعتقادية , وليست قضية رأي وفكر ! إن الذي يقيم تفكيره , ويقيم مذهبه في الحياة , ويقيم نظام حياته كذلك , على أساس أن هذا الكون المادي هو منشى ء ذاته , ومنشى ء الإنسان أيضا . . إنما يخطيء في قاعدة الفكر والمذهب والنظام ; فكل التشكيلات والتنظيمات والإجراءات القائمة على هذه القاعدة لا يمكن أن تجيء بخير ; ولا يمكن أن تلتحم في جزئية واحدة مع حياة مسلم , يقيم اعتقاده وتصوره , ويجب أن يقيم نظامه وحياته على قاعدة ألوهية الله للكون وخلقه وتدبيره .

ومن ثم يصبح القول بأن ما يسمى"الاشتراكية العلمية"منهج مستقل عن المذهب المادي مجرد جهالة أو هراء ! ويصبح الأخذ بما يسمى"الاشتراكية العلمية"- وتلك قاعدتها ونشأتها ومنهج تفكيرها وبناء أنظمتها - عدولا جذريا عن الإسلام:اعتقادا وتصورا ثم منهجا ونظاما . . حيث لا يمكن الجمع بين الأخذ بتلك"الاشتراكية العلمية"واحترام العقيدة في الله بتاتا . ومحاولة الجمع بينهما هي محاولة الجمع بين الكفر والإسلام . . وهذه هي الحقيقة التي لا محيص عنها . .

إن الناس في أي أرض وفي أي زمان ; إما أن يتخذوا الإسلام دينا , وإما أن يتخذوا المادية دينا . فإذااتخذوا الإسلام دينا امتنع عليهم أن يتخذوا"الاشتراكية العلمية"المنبثقة من"الفلسفة المادية", والتي لا يمكن فصلها عن الأصل الذي انبثقت منه , نظاما . . وعلى الناس أن تختار . . إما الإسلام , وإما المادية , منذ الابتداء !

إن الإسلام ليس مجرد عقيدة مستكنة في الضمير . إنما هو نظام قائم على عقيدة . . كما أن"الاشتراكية العلمية"- بهذا الاصطلاح - ليست قائمة على هواء , إنما هي منبثقة انبثاقا طبيعيا من"المذهب المادي"الذي يقوم بدوره على قاعدة مادية الكون وإنكار وجود الخالق المدبر أصلا , ولا يمكن الفصل بين هذا التركيب العضوي . .

ومن ثم ذلك التناقض الجذري بين الإسلام وما يسمى"الاشتراكية العلمية"بكل تطبيقاتها !

ولا بد من الاختيار بينهما . . ولكل أن يختار وأن يتحمل عند الله تبعة ما يختار !!! (الظلال)

وفي الوسيط - (ج 1 / ص 2456)

ثم بين - سبحانه - أنه قد تكفل بحفظ هذا القرآن الذى سبق للكافرين أن استهزءوا به ، وبمن نزل عليه فقال - تعالى -: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } .

أى: إنا نحن بقدرتنا وعظم شأننا نزلنا هذا القرآن الذى أنكرتموه؛ على قلب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم { وإنا } لهذا القرآن { لحافظون } من كل ما يقدح فيه ، كالتحريف والتبديل ، والزيادة والنقصان والتناقض والاختلاف ، ولحافظون له بالإِعجاز ، فلا يقدر أحد على معارضته أو على الإِتيان بسورة من مثله ، ولحافظون له بقيام طائفة من أبناء هذه الأمة الإِسلامية باستظهاره وحفظه والذب عنه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .

قال صاحب الكشاف:"قوله { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر } رد لانكارهم واستهزائهم في قولهم { ياأيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ } ، ولذلك قال: إنا نحن ، فأكد عليهم أنه هو المنزل على القطع والبتات ، وأنه هو الذى بعث به جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم ومن بين يديه ومن خلفه رصد حتى نزل وبلغ محفوظًا من الشياطين ، وهو حافظه في كل وقت من كل زيادة ونقصان .. .".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت