فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 207

الباب المفتوح أمامهم , ويحسون حركة الصعود ويرون دلائلها . . ثم هم بعد ذلك يكابرون فيقولون:لا . لا . ليست هذه حقيقة . إنما أحد سكر أبصارنا وخدرها فهي لا ترى إنما تتخيل:

(إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون) . .

سكر أبصارنا مسكر وسحرنا ساحر , فكل ما نراه وما نحسه وما نتحركه تهيؤات مسكر مسحور !

يكفي تصورهم على هذا النحو لتبدو المكابرة السمجة ويتجلى العناد المزري . ويتأكد أن لا جدوى من الجدل مع هؤلاء . ويثبت أن ليس الذي ينقصهم هو دلائل الإيمان . وليس الذي يمنعهم أن الملائكة لا تنزل . فصعودهم هم أشد دلالة وألصق بهم من نزول الملائكة . إنما هم قوم مكابرون . مكابرون بلا حياء وبلا تحرج وبلا مبالاة بالحق الواضح المكشوف !

إنه نموذج بشري للمكابرة والاستغلاق والانطماس يرسمه التعبير , مثيرا لشعور الاشمئزاز والتحقير . .

وهذا النموذج ليس محليا ولا وقتيا , ولا هو وليد بيئة معينة في زمان معين . . إنه نموذج للإنسان حين تفسد فطرته , وتستغلق بصيرته , وتتعطل في كيانه أجهزة الاستقبال والتلقي , وينقطع عن الوجود الحي من حوله , وعن إيقاعاته وإيحاءاته .

هذا النموذج يتمثل في هذا الزمان في الملحدين وأصحاب المذاهب المادية التي يسمونها"المذاهب العلمية !"وهي أبعد ما تكون عن العلم ; بل أبعد ما تكون عن الإلهام والبصيرة . .

إن أصحاب المذاهب المادية يلحدون في الله ; ويجادلون في وجوده - سبحانه - وينكرون هذا الوجود . . ثم يقيمون على أساس إنكار وجود الله , والزعم بأن هذا الكون موجود هكذا بذاته , بلا خالق , وبلا مدبر , وبلا موجه . . يقيمون على أساس هذا الزعم وذلك الإنكار مذاهب اجتماعية وسياسية واقتصادية و"أخلاقية !"كذلك . ويزعمون أن هذه المذاهب القائمة على ذلك الأساس , والتي لا تنفصل عنه بحال . ."علمية". . هي وحدها"العلمية"!

وعدم الشعور بوجود الله سبحانه , مع وجود تلك الشواهد والدلائل الكونية , هو دلالة لا تنكر على تعطل أجهزة الاستقبال والتلقي في تلك الجبلات النكدة . كما أن اللجاجة في هذا الإنكار لا تقل تبجحا عن تبجح ذلك النموذج الذي ترسمه النصوص القرآنية السابقة:

(ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون . لقالوا:إنما سكرت أبصارنا , بل نحن قوم مسحورون !) . .

فالشواهد الكونية أظهر وأوضح من عروجهم إلى السماء . وهي تخاطب كل فطرة غير معطلة خطابا هامسا وجاهرا , باطنا وظاهرا , بما لا تملك هذه الفطرة معه إلا المعرفة والإقرار .

إن القول بأن هذا الكون موجود بذاته ; وفيه كل تلك النواميس المتوافقة لحفظه وتحريكه وتدبيره ; كما أن فيه كل تلك الموافقات لنشأة الحياة في بعض أجزائه . . وهي موافقات لا تحصى . . إن هذا القول بذاته يرفضه العقل البشري , كما ترفضه الفطرة من أعماقها . وكلما توغل"العلم"في المعرفة بطبيعة هذا الكون وأسراره وموافقاته ; رفض فكرة التلقائية في وجود هذا الكون وفي حركته بعد وجوده ; واضطر اضطرارا إلى رؤية اليد الخالقة المدبرة من ورائه . . هذه الرؤية التي تتم للفطرة السوية بمجرد تلقي إيقاعات هذا الكون وإيحاءاته . قبل جميع البحوث العلمية التي لم تجيء إلا أخيرا !

إن الكون لا يملك أن يخلق ذاته , ثم يخلق في الوقت نفسه قوانينه التي تصرف وجوده . كما أن نشأة الحياة لا يفسرها وجود الكون الخالي من الحياة . وتفسير نشأة الكون ونشأة الحياة بدون وجود خالق مدبر تفسير متعسف ترفضه الفطرة كما يرفضه العقل أيضا . . كما أخذ يرفضه العلم المادي نفسه أخيرا:

يقول عالم الأحياء والنبات"رسل تشارلز إرنست"الأستاذ بجامعة فرانكفورت بألمانيا:"لقد وضعت نظريات عديدة لكي تفسر نشأة الحياة من عالم الجمادات ; فذهب بعض الباحثين إلى أن الحياة قد نشأت من البروتوجين , أو من الفيروس , أو من تجمع بعض الجزيئات البروتينية الكبيرة . وقد يخيل إلى بعض الناس أن هذه النظريات قد سدت الفجوة التي تفصل بين عالم الأحياء وعالم الجمادات . ولكن الواقع الذي ينبغي أن نسلم به هو أن جميع الجهود التي بذلت للحصول على المادة الحية من غير الحية , قد باءت بفشل وخذلان ذريعين . ومع ذلك فإن من ينكر وجود الله لا يستطيع أن يقيم الدليل المباشر للعالم المتطلع على أن مجرد تجمع الذرات والجزيئات عن طريق المصادفة , يمكن أن يؤدي إلى ظهور الحياة وصيانتها وتوجيهها بالصورةالتي شاهدناها في الخلايا الحية . وللشخص مطلق الحرية في أن يقبل هذا التفسير لنشأة الحياة , فهذا شأنه وحده ! ولكنه إذ يفعل ذلك , فإنما يسلم بأمر أشد إعجازا وصعوبة على العقل من الاعتقاد بوجود الله , الذي خلق الأشياء ودبرها ."

"إنني اعتقد أن كل خلية من الخلايا الحية قد بلغت من التعقد درجة يصعب علينا فهمها . وأن ملايين الملايين من الخلايا الحية الموجودة على سطح الأرض تشهد بقدرته شهادة تقوم على الفكر والمنطق . ولذلك فإنني أومن بوجود الله إيمانا راسخا"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت