فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 207

الباب الذي تفوق فيه الواصلون من رجال التصوف الصادقين - وهم قليل من بين ذلك الحشد الذي يلبس مسوح التصوف ويعرف في سجلهم الطويل - ولا زالت أبيات رابعة العدوية تنقل إلى حسي مذاقها الصادق لهذا الحب الفريد , وهي تقول:

فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب

وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب

إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب وهذا الحب من الجليل للعبد من العبيد , والحب من العبد للمنعم المتفضل , يشيع في هذا الوجود ويسري في هذا الكون العريض , وينطبع في كل حي وفي كل شيء , فإذا هو جو وظل يغمران هذا الوجود , ويغمران الوجود الإنساني كله ممثلا في ذلك العبد المحب المحبوب . .

والتصور الإسلامي يربط بين المؤمن وربه بهذا الرباط العجيب الحبيب . . وليست مرة واحدة ولا فلتة عابرة . . إنما هو أصل وحقيقة وعنصر في هذا التصور أصيل: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودًا) . . (إن ربي رحيم ودود) . . (وهو الغفور الودود) . . (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) . .

(والذين آمنوا أشد حبا لله) . . (قل:إن كنم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) . . وغيرها كثير . .

وعجبا لقوم يمرون على هذا كله , ليقولوا:إن التصور الإسلامي تصور جاف عنيف , يصور العلاقة بين الله والإنسان علاقة قهر وقسر , وعذاب وعقاب , وجفوة وانقطاع . . .

لا كالتصور الذي يجعل المسيح ابن الله وأقنوم الإله , فيربط بين الله والناس , في هذا الازدواج !

إن نصاعة التصور الإسلامي في الفصل بين حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية , لا تجفف ذلك الندى الحبيب ,بين الله والعبيد , فهي علاقة الرحمة كما أنها علاقة العدل , وهي علاقة الود كما أنها علاقة التجريد , وهي علاقة الحب كما أنها علاقة التنزية . .

إنه التصور الكامل الشامل لكل حاجات الكينونة البشرية في علاقتها برب العالمين .

وهنا - في صفة العصبة المؤمنة المختارة لهذا الدين - يرد ذلك النص العجيب: (يحبهم ويحبونه) ويطلق شحنته كلها في هذا الجو , الذي يحتاج إليه القلب المؤمن , وهو يضطلع بهذا العبء الشاق . شاعرا أنه الاختيار والتفضل والقربى من المنعم الجليل . .

ثم يمضي السياق يعرض بقية السمات:

(أذلة على المؤمنين) . .

وهي صفة مأخوذة من الطواعية واليسر واللين . .

فالمؤمن ذلول للمؤمن . .

غير عصي عليه ولا صعب . هين لين . .

ميسر مستجيب . .

سمح ودود . . وهذه هي الذلة للمؤمنين .

وما في الذلة للمؤمنين من مذلة ولا مهانة . إنما هي الأخوة , ترفع الحواجز , وتزيل التكلف وتخلط النفس بالنفس , فلا يبقى فيها ما يستعصي وما يحتجز دون الآخرين .

إن حساسية الفرد بذاته متحوصلة متحيزة هي التي تجعله شموسا عصيا شحيحا على أخيه . فأما حين يخلط نفسه بنفوس العصبة المؤمنة معه , فلن يجد فيها ما يمنعه وما يستعصي به . .

وماذا يبقى له في نفسه دونهم , وقد اجتمعوا في الله إخوانا ; يحبهم ويحبونه , ويشيع هذا الحب العلوي بينهم ويتقاسمونه ?!

(أعزة على الكافرين) . .

فيهم على الكافرين شماس وإباء واستعلاء . . ولهذه الخصائص هنا موضع . . إنها ليست العزة للذات , ولا الاستعلاء للنفس . إنما هي العزة للعقيدة , والاستعلاء للراية التي يقفون تحتها في مواجهة الكافرين . إنها الثقة بأن ما معهم هو الخير , وأن دورهم هو أن يطوعوا الآخرين للخير الذي معهم لا أن يطوعوا الآخرين لأنفسهم ولا أن يطوعوا أنفسهم للآخرين وما عند الآخرين ! ثم هي الثقة بغلبة دين الله على دين الهوى ; وبغلبة قوة الله على تلك القوى ; وبغلبة حزب الله على أحزاب الجاهلية . . فهم الأعلون حتى وهم ينهزمون في بعض المعارك , في أثناء الطريق الطويل . .

(يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم) . .

فالجهاد في سبيل الله , لإقرار منهج الله في الأرض , وإعلان سلطانه على البشر , وتحكيم شريعته في الحياة , لتحقيق الخير والصلاح والنماء للناس . . هي صفة العصبة المؤمنة التي يختارها الله ليصنع بها في الأرض ما يريد . .

وهم يجاهدون في سبيل الله ; لا في سبيل أنفسهم ; ولا في سبيل قومهم ; ولا في سبيل وطنهم ; ولا في سبيل جنسهم . . في سبيل الله . لتحقيق منهج الله , وتقرير سلطانه , وتنفيذ شريعته , وتحقيق الخير للبشر عامة عن هذا الطريق . .

وليس لهم في هذا الأمر شيء , وليس لأنفسهم من هذا حظ , إنما هو لله وفي سبيل الله بلا شريك .

وهم يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم . .

وفيم الخوف من لوم الناس , وهم قد ضمنوا حب رب الناس ? وفيم الوقوف عند مألوف الناس , وعرف الجيل , ومتعارف الجاهلية , وهم يتبعون سنة الله , ويعرضون منهج الله للحياة ?

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت