فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 207

ومن مقتضيات أن هذه الأمة هي وارثة الرسالات ; وصاحبة الرسالة الأخيرة , والدين الاخير ; وصاحبة الوصاية والقوامة على البشرية بهذا الدين الأخير . . ألا تتولى من يكفرون بهذا الدين ; ومن يتخذون فرائضه وشعائره هزوا ولعبا . إنما تتولى الله ورسوله , ولا تركن إلى ولاية غير المؤمنين بالله ورسوله . فإنما هي أمة بعقيدتها لا بجنسها , ولا بأرضها , ولا بموروثاتها الجاهلية . إنما هي"أمة"بهذه العقيدة الجديدة , وبهذا المنهج الرباني , وبهذه الرسالة الأخيرة . .

وهذه هي آصرة التجمع الوحيدة: أيكون الحكم والشريعه والتقاضي حسب مواثيق الله وعقوده وشرائعه التي استحفظ عليها اصحاب الديانات السماويه واحده بعد الأخرى ; وكتبها على الرسل , وعلى من يتولون الأمر بعدهم ليسيروا على هداهم ? أم يكون ذلك كُله للأهواء المتقلبه , والمصالح التي لا ترجع الى أصل ثابت من شرع الله , والعرف الذي يصطلح عليه جيل أو أجيال ? وبتعبير آخر:أتكون الألوهيه والربوبيه والقوامة لله في الأرض وفي حياة الناس ? أم تكون كلها أو بعضها لأحد من خلقه يشرع للناس ما لم يأذن به الله ?

الله - سبحانه - يقول:إنه هو الله لا آله إلا هو . وإن شرائعه التي سنها للناس بمقتضى ألوهيته لهم وعبوديتهم له , وعاهدهم عليها وعلى القيام بها ; هي التي يجب أن تحكم هذه الأرض , وهي التي يجب أن يتحاكم إليها الناس , وهي التي يجب أن يقضي بها الأنبياء ومن بعدهم من الحكام . .

والله - سبحانه - يقول:إنه لا هوادة في هذا الأمر , ولا ترخص في شيء منه , ولا انحراف عن جانب ولو صغير . وإنه لا عبرة بما تواضع عليه جيل , أو لما اصطلح عليه قبيل , مما لم يأذن به الله في قليل ولا كثيرا !

والله - سبحانه - يقول:إن المسألة - في هذا كله - مسألة إيمان أو كفر ; أو إسلام أو جاهلية ; وشرع أو هوى . وإنه لا وسط في هذا الأمر ولا هدنة ولا صلح ! فالمؤمنون هم الذين يحكمون بما أنزل الله - لا يخرمون منه حرفا ولا يبدلون منه شيئا - والكافرون الظالمون الفاسقون هم الذين لا يحكمون بما أنزل الله .

وأنه إما أن يكون الحكام قائمين على شريعة الله كاملة فهم في نطاق الإيمان . وإما أن يكونوا قائمين على شريعة أخرى مما لم يإذن به الله , فهم الكافرون الظالمون الفاسقون . وأن الناس إما أن يقبلوا من الحكام والقضاة حكم الله وقضاءه في أمورهم فهم مؤمنون . . وإلا فما هم بالمؤمنين . . ولا وسط بين هذا الطريق وذاك ; ولا حجة ولا معذرة , ولا احتجاج بمصلحة . فالله رب الناس يعلم ما يصلح للناس ; ويضع شرائعة لتحقيق مصالح الناس الحقيقية . وليس أحسن من حكمه وشريعته حكم أو شريعة . وليس لأحد من عباده أن يقول:إنني أرفض شريعة الله , أو إنني أبصر بمصلحة الخلق من الله . . فإن قالها - بلسانه أو بفعله - فقد خرج من نطاق الإيمان . .

هذه هي القضية الخطيرة الكبيرة التي يعالجها هذا الدرس في نصوص تقريرية صريحة . . ذلك إلى جانب ما يصوره من حال اليهود في المدينة , ومناوراتهم ومؤامراتهم مع المنافقين: (من الذين قالوا:آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم) . وما يوجه به رسول الله صلى الله عليه وسلم لمواجهة هذا الكيد الذي لم تكف عنه يهود , منذ أن قامت للإسلام دولة في المدينة . .

والسياق القرآني في هذا الدرس يقرر أولا:

توافي الديانات التي جاءت من عندالله كلها على تحتيم الحكم بما أنزله الله ; وإقامة الحياة كلها على شريعة الله ; وجعل هذا الأمر مفرق الطريق بين الإيمان والكفر ; وبين الإسلام والجاهلية ; وبين الشرع والهوى . . فالتوراة أنزلها الله فيها هدى ونور: (يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء) . . (وعندهم التوارة فيها حكم الله) . . (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس . . الخ) . . والإنجيل آتاه الله عيسى بن مريم (مصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين . وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه) . . والقرآن أنزله الله على رسوله (بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه) وقال له: (فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق) . . (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) . . (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) . . (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) . . (أفحكم الجاهلية يبغون ? ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ?) . . وكذلك تتوافى الديانات كلها على هذا الأمر , ويتعين حد الإيمان وشرط الإسلام , سواء للمحكومين أو للحكام . . والمناط هو الحكم بما أنزل الله من الحكام , وقبول هذا الحكم من المحكومين , وعدم ابتغاء غيره من الشرائع والأحكام . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت