فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 207

والمسألة في هذا الوضع خطيرة ; والتشدد فيها على هذا النحو يستند إلى إسباب لا بد خطيرة كذلك . فما هي يا ترى هذه الأسباب ? إننا نحاول أن نتلمسها سواء في هذه النصوص أو في السياق القرآني كله , فنجدها واضحة بارزة . .

إن الاعتبار الأول في هذه القضية هو أنها قضية الإقرار بألوهية الله وربوبيته وقوامته على البشر - بلا شريك - أو رفض هذا الإقرار . . ومن هنا هي قضية كفر أو إيمان , وجاهلية أو إسلام . .

.. . والقرآن كله معرض بيان هذه الحقيقة . .

إن الله هو الخالق . . خلق هذا الكون , وخلق هذا الإنسان . وسخر ما في السماوات والأرض لهذا الإنسان . . وهو - سبحانه - متفرد بالخلق , لا شريك له في كثير منه أو قليل .

وإن الله هو المالك . . بما أنه هو الخالق . . ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما . . فهو - سبحانه - متفرد بالملك . لا شريك له في كثير منه أو قليل .

وإن الله هو الرازق . . فلا يملك أحد أن يرزق نفسه أو غيره شيئا . لا من الكثير ولا من القليل . .

وإن الله هو صاحب السلطان المتصرف في الكون والناس . . بما أنه هو الخالق المالك الرازق . . وبما أنه هو صاحب القدرة التي لا يكون بدونها خلق ولا رزق ولا نفع ولا ضر . وهو - سبحانه - المتفرد بالسلطان في هذا الوجود .

والإيمان هو الإقرار لله - سبحانه - بهذه الخصائص . الألوهية , والملك , والسلطان . . . متفردا بها لا يشاركه فيها أحد . والإسلام هو الاستسلام والطاعة لمقتضيات هذه الخصائص . . هو إفراد الله - سبحانه - بالألوهية والربوبية والقوامة على الوجود كله - وحياة الناس ضمنا - والاعتراف بسلطانه الممثل في قدره ; والممثل كذلك في شريعته . فمعنى الاستسلام لشريعة الله هو - قبل كل شيء - الاعتراف بألوهيته وربوبيته وقوامته وسلطانه . ومعنى عدم الاستسلام لهذه الشريعة , واتخاذ شريعة غيرها في أية جزئية من جزئيات الحياة , هو - قبل كل شيء - رفض الاعتراف بألوهية الله وربوبيته وقوامته وسلطانه . . ويستوي أن يكون الاستسلام أو الرفض باللسان أو بالفعل دون القول . . وهي من ثم قضية كفر أو إيمان ; وجاهلية أو إسلام . ومن هنا يجيء هذا النص: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) . . (الظالمون) . . (الفاسقون) .

والاعتبار الثاني هو اعتبار الأفضلية الحتمية المقطوع بها لشريعة الله على شرائع الناس . . هذه الأفضلية التي تشير إليها الآية الأخيرة في هذا الدرس: (ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ?) . .

والاعتراف المطلق بهذه الأفضلية لشريعة الله , في كل طور من أطوار الجماعة , وفي كل حالة من حالاتها . . هو كذلك داخل في قضية الكفر والإيمان . . فما يملك إنسان أن يدعي أن شريعة أحد من البشر , تفضل أو تماثل شريعة الله , في أية حالة أو في أي طور من أطوار الجماعة الإنسانية . . ثم يدعي - بعد ذلك - أنه مؤمن بالله , وأنه من المسلمين . . إنه يدعي أنه أعلم من الله بحال الناس ; وأحكم من الله في تدبير أمرهم . أو يدعي أن أحوالا وحاجات جرت في حياة الناس , وكان الله - سبحانه - غير عالم بها وهو يشرع شريعته ; أو كان عالما بها ولكنه لم يشرع لها ! ولا تستقيم مع هذا الادعاء دعوى الإيمان والإسلام . مهما قالها باللسان !

فأما مظاهر هذه الأفضلية فيصعب إدراكها كلها . فإن حكمة شرائع الله لا تنكشف كلها للناس في جيل من الأجيال . والبعض الذي ينكشف يصعب التوسع في عرضه هنا . . في الظلال . . فنكتفي منه ببعض اللمسات:

إن شريعة الله تمثل منهجا شاملا متكاملا للحياة البشرية ; يتناول بالتنظيم والتوجيه والتطوير كل جوانب الحياة الإنسانية ; في جميع حالاتها , وفي كل صورها وأشكالها . .

وهو منهج قائم على العلم المطلق بحقيقة الكائن الإنساني , والحاجات الإنسانية , وبحقيقة الكون الذي يعيش فيه الإنسان ; وبطبيعة النواميس التي تحكمه وتحكم الكينونة الإنسانية . . ومن ثم لا يفرط في شيء من أمور هذه الحياة ; ولا يقع فيه ولا ينشأ عنه أي تصادم مدمر بين أنواع النشاط الإنساني ; ولا أي تصادم مدمر بين هذا النشاط والنواميس الكونية ; إنما يقع التوازن والاعتدال والتوافق والتناسق . . الأمر الذي لا يتوافر أبدا لمنهج من صنع الإنسان الذي لا يعلم إلا ظاهرا من الأمر ; وإلا الجانب المكشوف في فترة زمنية معينة ; ولا يسلم منهج يبتدعه من آثار الجهل الإنساني ; ولا يخلو من التصادم المدمر بين بعض ألوان النشاط وبعض . والهزات العنيفة الناشئة عن هذا التصادم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت