فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 207

وهو منهج قائم على العدل المطلق . . أولا . . لأن الله يعلم حق العلم بم يتحقق العدل المطلق وكيف يتحقق . . وثانيا . . لأنه - سبحانه - رب الجميع ; فهو الذي يملك أن يعدل بين الجميع ; وأن يجيء منهجه وشرعه مبرأ من الهوى والميل والضعف - كما أنه مبرأ من الجهل والقصور والغلو والتفريط - الأمر الذي لا يمكن أن يتوافر في أي منهج أو في أي شرع من صنع الإنسان , ذي الشهوات والميول , والضعف والهوى - فوق ما به من الجهل والقصور - سواء كان المشرع فردا , أو طبقة , أو أمة , أو جيلا من أجيال البشر . . فلكل حالة من هذه الحالات أهواؤها وشهواتها وميولها ورغباتها ; فوق أن لها جهلها وقصورها وعجزها عن الرؤية الكاملة لجوانب الأمر كله حتى في الحالة الواحدة في الجيل الواحد . .

وهو منهج متناسق مع ناموس الكون كله . لأن صاحبه هو صاحب هذا الكون كله . صانع الكون وصانع الإنسان . فإذا شرع للإنسان شرع له كعنصر كوني , له سيطرة على عناصر كونية مسخرة له بأمر خالقه ; بشرط السير على هداه , وبشرط معرفة هذه العناصر والقوانين التي تحكمها . . ومن هنا يقع التناسق بين حركة الإنسان وحركة الكون الذي يعيش فيه ; وتأخذ الشريعة التي تنظم حياته طابعا كونيا , ويتعامل بها لا مع نفسه فحسب , ولا مع بني جنسه فحسب ! ولكن كذلك مع الأحياء والأشياء في هذا الكون العريض , الذي يعيش فيه , ولا يملك أن ينفذ منه , ولا بد له من التعامل معه وفق منهاج سليم قويم .

ثم . . إنه المنهج الوحيد الذي يتحرر فيه الإنسان من العبودية للإنسان . . ففي كل منهج - غير المنهج الإسلامي - يتعبد الناس الناس . ويعبد الناس الناس . وفي المنهج الإسلامي - وحده - يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده بلا شريك . .

إن أخص خصائص الألوهية - كما أسلفنا - هي الحاكمية . . والذي يشرع لمجموعة من الناس يأخذ فيهم مكان الألوهية ويستخدم خصائصها . فهم عبيده لا عبيد الله , وهم في دينه لا في دين الله

والإسلام حين يجعل الشريعه لله وحده , يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده , ويعلن تحرير الإنسان . بل يعلن"ميلاد الإنسان". . فالإنسان لا يولد , ولا يوجد , إلا حيث تتحرر رقبتة من حكم إنسان مثله وإلا حين يتساوى في هذا الشأن مع الناس جميعًا أمام رب الناس . .

إن هذه القضيه التي تعالجها نصوص هذا الدرس هي أخطر وأكبر قضايا العقيده . . إنها قضية الألوهيه والعبوديه . قضية العدل والصلاح . قضية الحريه والمساوا . قضية تحرر الإنسان - بل ميلاد الإنسان - وهي من أجل هذا كله كانت قضية الكفر أو الإيمان , وقضية الجاهلية أو الإسلام . .

والجاهليه ليست فتره تاريخيه ; إنما هي حاله توجد كلما وجدت مقوماتها في وضع أو نظام . . وهي في صميمها الرجوع بالحكم والتشريع إلى أهواء البشر , لا إلى منهج الله وشريعته للحياة . ويستوي أن تكون هذه الأهواء أهواء فرد , أو أهواء طبقه , أو أهواء أمه , أو أهواء جيل كامل من الناس . .

فكلها . . ما دامت لا ترجع إلى شريعة الله . . أهواء . .

يشرع فرد لجماعه فإذا هي جاهليه . لأن هواه هو القانون . .

أو رأيه هو القانون . . لا فرق إلا في العبارات ! وتشرع طبقه لسائر الطبقات فإذا هي جاهليه . لأن مصالح تلك الطبقه هي القانون - أو رأي الأغلبيه البرلمانيه هو القانون - فلا فرق إلا في العبارات!

ويشرع ممثلوا جميع الطبقات وجميع القطاعات في الأمه لأنفسهم فإذا هي جاهليه . . لأن أهواء الناس الذين لا يتجردون أبدًا من الأهواء , ولأن جهل الناس الذين لا يتجردون أبدًا من الجهل , هو القانون - أو لأن رأي الشعب هو القانون - فلا فرق إلا في العبارات!

وتشرع مجموعه من الأمم للبشريه فإذا هي جاهليه . لأن أهدافها القوميه هي القانون - أو رأي المجامع الدوليه هو القانون - فلا فرق إلا في العبارات!

ويشرع خالق الأفراد , وخالق الجماعات , وخالق الأمم والأجيال , للجميع , فإذا هي شريعة الله التي لا محاباه فيها لأحد على حساب أحد . لا لفرد ولا لجماعه ولا لدوله , ولا لجيل من الأجيال . لأن الله رب الجميع والكل لديه سواء . ولأن الله يعلم حقيقة الجميع ومصلحة الجميع , فلا يفوته - سبحانه - أن يرعى مصالحهم وحاجاتهم بدون تفريط ولا إفراط .

ويشرع غير الله للناس . .

فإذا هم عبيد من يشرع لهم . كائنًامن كان . فردً أو طبقه أو أمه أو مجموعه من الأمم . .

ويشرع الله للناس .

.فإذا هم كلهم أحرار متساوون , لا يحنون جباههم إلا لله , ولا يعبدون إلا الله . ومن هنا خطورة هذه القضيه في حياة بني الإنسان , وفي نظام الكون كله: (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن) . . فالحكم بغير ما أنزل الله معناه الشر والفساد والخروج في النهايه عن نطاق الإيمان . . بنص القرآن . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت