فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 207

ذلك كان حكم الله على المحكومين الذين لا يقبلون حكم شريعة الله في حياتهم . . فالآن يجيء حكمه - تعالى - على الحاكمين , الذين لا يحكمون بما أنزل الله . الحكم الذي تتوافى جميع الديانات التي جاءت من عند الله عليه:

ويبدأ بالتوراة:

(إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور . يحكم بها النبيون الذين أسلموا , للذين هادوا , والربانيون والأحبار , بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء ; فلا تخشوا الناس واخشون , ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا . ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون . وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس , والعين بالعين , والأنف بالأنف , والأذن بالأذن , والسن بالسن , والجروح قصاص . فمن تصدق به فهو كفارة له . ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) . .

لقد جاء كل دين من عند الله ليكون منهج حياة . منهج حياة واقعية . جاء الدين ليتولى قيادة الحياة البشرية , وتنظيمها , وتوجيهها , وصيانتها . ولم يجيء دين من عند الله ليكون مجرد عقيدة في الضمير ; ولا ليكون كذلك مجرد شعائر تعبدية تؤدي في الهيكل والمحراب . فهذه وتلك - على ضرورتهما للحياة البشرية وأهميتهما في تربية الضمير البشري - لا يكفيان وحدهما لقيادة الحياة وتنظيمها وتوجيهها وصيانتها ; ما لم يقم على أساسهما منهج ونظام وشريعة تطبق عمليا في حياة الناس ; ويؤخذ الناس بها بحكم القانون والسلطان ; ويؤاخذ الناس على مخالفتها , ويؤخذون بالعقوبات .

والحياة البشرية لا تستقيم إلا إذا تلقت العقيدة والشعائر والشرائع من مصدر واحد ; يملك السلطان على الضمائر والسرائر , كما يملك السلطان على الحركة والسلوك . ويجزي الناس وفق شرائعة في الحياة الدنيا , كما يجزيهم وفق حسابة في الحياة الآخرة .

فأما حين تتوزع السلطة , وتتعدد مصادر التلقي . . حين تكون السلطة لله في الضمائر والشعائر بينما السلطة لغيره في الأنظمة والشرائع . . وحين تكون السلطة لله في جزاء الآخرة بينما السلطة لغيره في عقوبات الدنيا . . حينئذ تتمزق النفس البشرية بين سلطتين مختلفتين , وبين اتجاهين مختلفين , وبين منهجين مختلفين . . وحينئذ تفسد الحياة البشرية ذلك الفساد الذي تشير إليه آيات القرآن في مناسبات شتى: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) . . (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن) . . (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون) . .

من أجل هذا جاء كل دين من عند الله ليكون منهج حياة . وسواء جاء هذا الدين لقرية من القرى , أو لأمة من الأمم , أو للبشرية كافة في جميع أجيالها , فقد جاء ومعه شريعة معينة لحكم واقع الحياة , إلى جانب العقيدة التي تنشى ء التصور الصحيح للحياة , إلى جانب الشعائر التعبدية التي تربط القلوب بالله . . وكانت هذه الجوانب الثلاثة هي قوام دين الله . حيثما جاء دين من عند الله . لأن الحياة البشرية لا تصلح ولا تستقيم إلا حين يكون دين الله هو منهج الحياة .

وفي القرآن الكريم شواهد شتى على احتواء الديانات الأولى , التي ربما جاءت لقرية من القرى , أو لقبيلة من القبائل على هذا التكامل , في الصورة المناسبة للمرحلة التي تمر بها القرية أو القبيلة . . وهنا يعرض هذا التكامل في الديانات الثلاث الكبرى . . اليهودية , والنصرانية , والإسلام . .

ويبدأ بالتوراة في هذه الآيات التي نحن بصددها في هذه الفقرة:

(إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور) :

فالتوراة - كما أنزلها الله - كتاب الله الذي جاء لهداية بني إسرائيل , وإنارة طريقهم إلى الله . وطريقهم في الحياة . . وقد جاءت تحمل عقيدة التوحيد . وتحمل شعائر تعبدية شتى . وتحمل كذلك شريعة:

(يحكم بها النبيون الذين أسلموا , للذين هادوا , والربانيون والأحبار , بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء) .

أنزل الله التوراة لا لتكون هدى ونورا للضمائر والقلوب بما فيها من عقيدة وعبادات فحسب . ولكن كذلك لتكون هدى ونورا بما فيها من شريعة تحكم الحياة الواقعية وفق منهج الله , وتحفظ هذه الحياة في إطار هذا المنهج . ويحكم بها النبيون الذين أسلموا أنفسهم لله ; فليس لهم في أنفسهم شيء ; إنما هي كلها لله ; وليست لهم مشيئة ولا سلطة ولا دعوى في خصيصة من خصائص الألوهية - وهذا هو الإسلام في معناه الأصيل - يحكمون بها للذين هادوا - فهي شريعتهم الخاصة نزلت لهم في حدودهم هذه وبصفتهم هذه - كما يحكم بها لهم الربانيون والأحبار ; وهم قضاتهم وعلماؤهم . وذلك بما أنهم قد كلفوا المحافظة على كتاب الله , وكلفوا أن يكونوا عليه شهداء , فيؤدوا له الشهادة في أنفسهم , بصياغة حياتهم الخاصة وفق توجيهاته , كما يؤدوا له الشهادة في قومهم بإقامة شريعته بينهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت