وقبل أن ينتهي السياق من الحديث عن التوراة , يلتفت إلى الجماعة المسلمة , ليوجهها في شأن الحكم بكتابالله عامة , وما قد يعترض هذا الحكم من شهوات الناس وعنادهم وحربهم وكفاحهم , وواجب كل من استحفظ على كتاب الله في مثل هذا الموقف , وجزاء نكوله أو مخالفته:
(فلا تخشوا الناس واخشون ; ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا . ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) . .
ولقد علم الله - سبحانه - أن الحكم بما أنزل الله ستواجهه - في كل زمان وفي كل أمة - معارضة من بعض الناس ; ولن تتقبله نفوس هذا البعض بالرضى والقبول والاستسلام . . ستواجهه معارضة الكبراء والطغاة وأصحاب السلطان الموروث . ذلك أنه سينزع عنهم رداء الألوهية الذي يدعونه ; ويرد الألوهية لله خالصة , حين ينزع عنهم حق الحاكمية والتشريع والحكم بما يشرعونه هم للناس مما لم يأذن به الله . . وستواجهة معارضة أصحاب المصالح المادية القائمة على الاستغلال والظلم والسحت . ذلك أن شريعة الله العادلة لن تبقي على مصالحهم الظالمة . . وستواجهه معارضة ذوي الشهوات والأهواء والمتاع الفاجر والانحلال . ذلك أن دين الله سيأخذهم بالتطهر منها وسيأخذهم بالعقوبة عليها . . وستواجهه معارضة جهات شتى غير هذه وتيك وتلك ; ممن لا يرضون أن يسود الخير والعدل والصلاح في الأرض .
علم الله - سبحانه - أن الحكم بما أنزل ستواجهه هذه المقاومة من شتى الجبهات ; وأنه لا بد للمستحفظين عليه والشهداء أن يواجهوا هذه المقاومة ; وأن يصمدوا لها , وإن يحتملوا تكاليفها في النفس والمال . . فهو يناديهم: (فلا تخشوا الناس واخشون) . .
فلا تقف خشيتهم للناس دون تنفيذهم لشريعة الله . سواء من الناس أولئك الطغاة الذين يأبون الاستسلام لشريعة الله , ويرفضون الإقرار - من ثم - يتفرد الله - سبحانه - بالألوهية . أو أولئك المستغلون الذين تحول شريعة الله بينهم وبين الاستغلال وقد مردوا عليه . أو تلك الجموع المضللة او المنحرفة أو المنحلة التي تستثقل أحكام شريعة الله وتشغب عليها . . لا تقف خشيتهم لهؤلاء جميعا ولغيرهم من الناس دون المضي في تحكيم شريعة الله في الحياة . فالله - وحده - هو الذي يستحق أن يخشوة . والخشية لا تكون إلا لله . .
كذلك علم الله - سبحانه - أن بعض المستحفظين على كتاب الله المستشهدين ; قد تراودهم أطماع الحياة الدنيا ; وهم يجدون أصحاب السلطان , وأصحاب المال , وأصحاب الشهوات , لا يريدون حكم الله فيملقون شهوات هؤلاء جميعا , طمعا في عرض الحياة الدنيا - كما يقع من رجال الدين المحترفين في كل زمان وفي كل قبيل ; وكما كان ذلك واقعا في علماء بني إسرائيل .
فناداهم الله: (ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلًا) . .
وذلك لقاء السكوت , أو لقاء التحريف , أو لقاء الفتاوي المدخولة !
وكل ثمن هو في حقيقته قليل . ولو كان ملك الحياة الدنيا . . فكيف وهو لا يزيد على أن يكون رواتب ووظائف وألقابا ومصالح صغيرة ; يباع بها الدين , وتشترى بها جهنم عن يقين ?!
إنه ليس أشنع من خيانة المستأمن ; وليس أبشع من تفريط المستحفظ ; وليس أخس من تدليس المستشهد . والذين يحملون عنوان:"رجال الدين"يخونون ويفرطون ويدلسون , فيسكتون عن العمل لتحكيم ما أنزل الله , ويحرفون الكلم عن مواضعه , لموافأة أهواء ذوي السلطان على حساب كتاب الله . . (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) . .
بهذا الحسم الصارم الجازم . وبهذا التعميم الذي تحمله (من) الشرطية وجملة الجواب . بحيث يخرج من حدود الملابسة والزمان والمكان , وينطلق حكما عاما , على كل من لم يحكم بما أنزل الله , في أي جيل , ومن أي قبيل . .
والعلة هي التي أسلفنا . . هي أن الذي لا يحكم بما أنزل الله , إنما يرفض ألوهية الله . فالألوهية من خصائصها ومن مقتضاها الحاكمية التشريعية . ومن يحكم بغير ما أنزل الله , يرفض ألوهية الله وخصائصها في جانب , ويدعي لنفسه هو حق الألوهية وخصائصها في جانب آخر . . وماذا يكون الكفر إن لم يكن هو هذا وذاك ? وما قيمة دعوى الإيمان أو الإسلام باللسان , والعمل - وهو أقوى تعبيرا من الكلام - ينطق بالكفر أفصح من اللسان ?!
إن المماحكة في هذا الحكم الصارم الجازم العام الشامل , لا تعني إلا محاولة التهرب من مواجهة الحقيقة . والتأويل والتأول في مثل هذا الحكم لا يعني إلا محاولة تحريف الكم عن مواضعه . . وليس لهذه المماحكة من قيمة ولا أثر في صرف حكم الله عمن ينطبق عليهم بالنص الصريح الواضح الأكيد
وبعد بيان هذا الأصل القاعدي في دين الله كله , يعود السياق , لعرض نماذج من شريعة التوراة التي أنزلها الله ليحكم بها النبيون والربانيون والأحبار للذين هادوا - بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء:
(وكتبنا عليهم فيها:أن النفس بالنفس , والعين بالعين , والأنف بالأنف , والأذن بالأذن , والسن بالسن , والجروح قصاص) . .