فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 207

وقد استبقيت هذه الأحكام التي نزلت بها التوراة في شريعة الإسلام , وأصبحت جزءا من شريعة المسلمين , التي جاءت لتكون شريعة البشرية كلها إلى آخر الزمان . وإن كانت لا تطبق إلا في دار الإسلام , لاعتبارات عملية بحتة ; حيث لا تملك السلطة المسلمة أن تطبقها فيما وراء حدود دار الإسلام . وحيثما كان ذلك في استطاعتها فهي مكلفة تنفيذها وتطبيقها , بحكم أن هذه الشريعة عامة للناس كافة , للأزمان كافة , كما أرادها الله .

وقد أضيف إليها في الإسلام حكم آخر في قوله تعالى:

(فمن تصدق به فهو كفارة له) . .

ولم يكن ذلك في شريعة التوارة . إذ كان القصاص حتما ; لا تنازل فيه , ولا تصدق به , ومن ثم فلا كفارة . .

ويحسن أن نقول كلمة عن عقوبات القصاص هذه على قدر السياق في الظلال .

أول ما تقرره شريعة الله في القصاص , هو مبدأ المساواة . . المساواة في الدماء والمساواة في العقوبة . . ولم تكن شريعة أخرى - غير شريعة الله - تعترف بالمساواة بين النفوس , فتقتص للنفس بالنفس , وتقتص للجوارح بمثلها , على اختلاف المقامات والطبقات والأنساب والدماء والأجناس . .

النفس بالنفس . والعين بالعين . والأنف بالأنف . والأذن بالأذن . والسن بالسن . والجروح قصاص . . لا تمييز . ولا عنصرية . ولا طبقية . ولا حاكم . ولا محكوم . . كلهم سواء أمام شريعة الله . فكلهم من نفس واحدة في خلقة الله .

إن هذا المبدأ العظيم الذي جاءت به شريعة الله هو الإعلان الحقيقي الكامل لميلاد"الإنسان"الإنسان الذي يستمتع كل فرد فيه بحق المساواة . . أولا في التحاكم إلى شريعة واحدة وقضاء واحد . وثانيا في المقاصة على أساس واحد وقيمة واحدة .

وهو أول إعلان . . وقد تخلفت شرائع البشر الوضعية عشرات من القرون حتى ارتقت إلى بعض مستواه من ناحية النظريات القانونية , وإن ظلت دون هذا المستوى من ناحية التطبيق العملي .

ولقد انجرف اليهود الذين ورد هذا المبدأ العظيم في كتابهم - التوراة - عنه ; لا فيما بينهم وبين الناس فحسب , حيث كانوا يقولون:"ليس علينا في الآميين سبيل بل فيما بينهم هم أنفسهم . على نحو ما رأينا فيما كان بين بني قريظة الذليلة , وبني النضير العزيزة ; حتى جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم فردهم إلى شريعة الله - شريعة المساواة . . ورفع جباه الأذلاء منهم فساواها بجباه الأعزاء !"

والقصاص على هذا الأساس العظيم - فوق ما يحمله من إعلان ميلاد الإنسان - هو العقاب الرادع الذي يجعل من يتجه إلى الاعتداء على النفس بالقتل , أو الاعتداء عليها بالجرح والكسر , يفكر مرتين ومرات قبل أن يقدم على ما حدثته به نفسه , وما زينه له اندفاعه ; وهو يعلم أنه مأخوذ بالقتل إن قتل - دون نظر إلى نسبه أو مركزه , أو طبقته , أو جنسه - وأنه مأخوذ بمثل ما أحدث من الإصابة . إذا قطع يدا أو رجلا قطعت يده أو رجله ; وإذا أتلف عينا أو أذنا أو سنا , أتلف من جسمه ما يقابل العضو الذي أتلفه . . وليس الأمر كذلك حين يعلم أن جزاءه هو السجن - طالت مدة السجن أو قصرت - فالألم في البدن , والنقص في الكيان , والتشويه في الخلقة شيء آخر غير الآم السجن . . على نحو ما سبق بيانه في حد السرقة . . والقصاص على هذا الأساس العظيم - فوق ما يحمله من إعلان ميلاد الإنسان - هو القضاء الذي تستريح إليه الفطرة ; والذي يذهب بحزازات النفوس , وجراحات القلوب , والذي يسكن فورات الثأر الجامحة , التي يقودها الغضب الأعمى وحمية الجاهلية . . وقد يقبل بعضهم الدية في القتل والتعويض في الجراحات . ولكن بعض النفوس لا يشفيها إلا القصاص . .

وشرع الله في الإسلام يلحظ الفطرة - كما لحظها شرع الله في التوراة - حتى إذا ضمن لها القصاص المريح . . راح يناشد فيها وجدان السماحة والعفو - عفو القادر على القصاص:

(فمن تصدق به فهو كفارة له)

من تصدق بالقصاص متطوعا . . سواء كان هو ولي الدم في حالة القتل [ والصدقة تكون بأخذ الدية مكان القصاص , أو بالتنازل عن الدم والدية معا وهذا من حق الولي , إذ العقوبة والعفو متروكان له ويبقى للإمام تغزيز القاتل بما يراه ] أو كان هو صاحب الحق في حالة الجروج كلها , فتنازل عن القصاص . . من تصدق فصدقته هذه كفارة لذنوبه ; يحط بها الله عنه .

وكثيرا ما تستجيش هذه الدعوة إلى السماحة والعفو , وتعليق القلب بعفو الله ومغفرته . نفوسا لا يغنيها العوض المالي ; ولا يسليها القصاص ذاته عمن فقدت أو عما فقدت . . فماذا يعود على ولي المقتول من قتل القاتل ? أو ماذا يعوضه من مال عمن فقد ? . . إنه غاية ما يستطاع في الأرض لإقامة العدل , وتأمين الجماعة . . ولكن تبقى في النفس بقية لا يمسح عليها إلا تعليق القلوب بالعوض الذي يجيء من عند الله . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت