روى الإمام أحمد . قال:حدثنا وكيع , حدثنا يونس بن أبي إسحاق , عن أبي السفر , قال"كسر رجل من قريش سن رجل من الأنصار . فاستعدى عليه معاوية . فقال معاوية:سنرضيه . . فألح الأنصاري . .فقال معاويه:شأنك بصاحبك ! - وأبو الدرداء جالس - فقال أبو الدرداء:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيتصدق به إلا رفعه الله به درجة , أو حط به عنه خطيئة". . فقال الأنصارى:فإني قد عفوت". .
وهكذا رضيت نفس الرجل واستراحت بما لم ترض من مال معاوية الذي لوح له به التعويض . .
وتلك شريعة الله العليم بخلقة ; وبما يحيك في نفوسهم من مشاعر وخواطر , وبما يتعمق قلوبهم ويرضيها ; ويكسب فيها الاطمئنان والسلام من الأحكام .
وبعد عرض هذا الطرف من شريعة التوراة , التي صارت طرفا من شريعة القرآن , يعقب بالحكم العام: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) . .
والتعبير عام , ليس هناك ما يخصصه ; ولكن الوصف الجديد هنا هو (الظالمون) .
وهذا الوصف الجديد لا يعني أنها حالة أخرى غير التي سبق الوصف فيها بالكفر . وإنما يعني إضافة صفة أخرى لمن لم يحكم بما أنزل الله . فهو كافر باعتباره رافضا لألوهية الله - سبحانه - واختصاصه بالتشريع لعباده , وبادعائه هو حق الألوهية بادعائه حق التشريع للناس . وهو ظالم بحمل الناس على شريعة غير شريعة ربهم , الصالحة المصلحة لأحوالهم . فوق ظلمه لنفسه بإيرادها موارد التهلكة , وتعرضها لعقاب الكفر . وبتعريض حياة الناس - وهو معهم - للفساد .
وهذا ما يقتضيه اتحاد المسند إليه وفعل الشرط: (ومن لم يحكم بما أنزل الله) . . فجواب الشرط الثاني يضاف إلى جواب الشرط الأول ; ويعود كلاهما على المسند إليه في فعل الشرط وهو (من) المطلق العام .
ثم يمضي السياق في بيان اطراد هذا الحكم العام فيما بعد التوراة .
وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم , مصدقا لما بين يديه من التوراة . وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور , ومصدقا لما بين يديه من التوراة , وهدى وموعظة للمتقين . وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه , ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون . .
فقد آتى الله عيسى بن مريم الإنجيل , ليكون منهج حياة , وشريعة حكم . . ولم يتضمن الإنجيل في ذاته تشريعا إلا تعديلات طفيفة في شريعة التوراة . وقد جاء مصدقا لما بين يديه من التوراة , فاعتمد شريعتها - فيما عدا هذه التعديلات الطفيفة . . وجعل الله فيه هدى ونورا , وهدى وموعظة . . ولكن لمن ? . . (للمتقين) . فالمتقون هم الذين يجدون في كتب الله الهدى والنور والموعظة , هم الذين تتفتح قلوبهم لما في هذه الكتب من الهدى والنور ; وهم الذين تتفتح لهم هذه الكتب عما فيها من الهدى والنور . . أما القلوب الجاسية الغليظة الصلده , فلا تبلغ إليها الموعظة ; ولا تجد في الكلمات معانيها ; ولا تجد في التوجيهات روحها ; ولا تجد في العقيدة مذاقها ; ولا تنتفع من هذا الهدى ومن هذا النور بهداية ولا معرفة ولا تستجيب . . إن النور موجود , ولكن لا تدركه إلا البصيرة المفتوحة , وإن الهدى موجود , ولكن لا تدركه إلا الروح المستشرفة , وإن الموعظة موجودة , ولكن لا يلتقطها الا القلب الواعي .
وقد جعل الله في الإنجيل هدى ونورا وموعظة للمتقين , وجعله منهج حياة وشريعة حكم لأهل الإنجيل . .
أي إنه خاص بهم , فليس رسالة عامة للبشر - شأنه في هذا شأن التوراة وشأن كل كتاب وكل رسالة وكل رسول , قبل هذا الدين الأخير - ولكن ما طابق من شريعته - التي هي شريعة التوراة - حكم القرآن فهو من شريعة القرآن . كما مر بنا في شريعة القصاص .
وأهل الإنجيل كانوا إذن مطالبين أن يتحاكموا إلى الشريعة التي أقرها وصدقها الإنجيل من شريعة التوراة: (وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه) .
فالقاعدة هي الحكم بما أنزل الله دون سواه . وهم واليهود كذلك لن يكونوا على شيء حتى يقيموا التوراة والإنجيل - قبل الإسلام - وما أنزل إليهم من ربهم - بعد الإسلام - فكله شريعة واحدة , هم ملزمون بها , وشريعة الله الأخيرة هي الشريعة المعتمدة:
(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) . .
والنص هنا كذلك على عمومه وإطلاقه . . وصفة الفسق تضاف إلى صفتي الكفر والظلم من قبل . وليست تعني قوما جددا ولا حالة جديدة منفصلة عن الحالة الأولى . إنما هي صفة زائدة على الصفتين قبلها , لاصقة بمن لم يحكم بما أنزل الله من أي جيل , ومن أي قبيل .
الكفر برفض ألوهية الله ممثلا هذا في رفض شريعته . والظلم بحمل الناس على غير شريعة الله وإشاعة الفساد في حياتهم . والفسق بالخروج عن منهج الله واتباع غير طريقه . . فهي صفات يتضمنها الفعل الأول , وتنطبق جميعها على الفاعل . ويبوء بها جميعا دون تفريق .