وأخيرا يصل السياق إلى الرسالة الأخيرة ; وإلى الشريعة الأخيرة . . إنها الرسالة التي جاءت تعرض"الإسلام"في صورته النهائية الأخيرة ; ليكون دين البشرية كلها ; ولتكون شريعته هي شريعة الناس جميعا ; ولتهيمن على كل ماكان قبلها وتكون هي المرجع النهائي ; ولتقيم منهج الله لحياة البشرية حتى يرث الله الأرض ومن عليها . المنهج الذي تقوم عليه الحياة في شتى شعبها ونشاطها ; والشريعة التي تعيش الحياة في إطارها وتدور حول محورها ; وتستمد منها تصورها الاعتقادي , ونظامها الاجتماعي , وآداب سلوكها الفردي والجماعي . . وقد جاءت كذلك ليحكم بها , لا لتعرف وتدرس , وتتحول إلى ثقافة في الكتب والدفاتر ! وقد جاءت لتتبع بكل دقة , ولا يترك شيء منها ويستبدل به حكم آخر في صغيرة من شئون الحياة أو كبيرة . . فإما هذا وإما فهي الجاهلية والهوى . ولا يشفع في هذه المخالفة أن يقول أحد إنه يجمع بين الناس بالتساهل في الدين . فلو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة . إنما يريد الله أن تحكم شريعته , ثم يكون من أمر الناس ما يكون:
وأنزلنا إليك الكتاب بالحق , مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه , فاحكم بينهم بما أنزل الله , ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق . لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا . ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة . ولكن ليبلوكم فيما آتاكم , فاستبقوا الخيرات . إلى الله مرجعكم جميعا , فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون . وأن احكم بينهم بما أنزل الله , ولا تتبع أهواءهم . واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك . فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم , وإن كثيرا من الناس لفاسقون . أفحكم الجاهلية يبغون ? ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون . .
ويقف الإنسان أمام هذه النصاعة في التعبير , وهذا الحسم في التقرير , وهذا الاحتياط البالغ لكل ما قد يهجس في الخاطر من مبررات لترك شيء - ولو قليل - من هذه الشريعة في بعض الملابسات والظروف . .
يقف الإنسان أمام هذا كله , فيعجب كيف ساغ لمسلم - يدعي الإسلام - أن يترك شريعة الله كلها , بدعوى الملابسات والظروف ! وكيف ساغ له أن يظل يدعي الإسلام بعد هذا الترك الكلي لشريعة الله ! وكيف لا يزال الناس يسمون أنفسهم"مسلمين"?! وقد خلعوا ربقة الإسلام من رقابهم , وهم يخلعون شريعة الله كلها ; ويرفضون الإقرار له بالإلوهيه , في صورة رفضهم الإقرار بشريعته , وبصلاحية هذه الشريعه في جميع الملابسات والظروف , وبضرورة تطبيقها كلها في جميع الملابسات والظروف !
(وأنزلنا إليك الكتاب بالحق) . .
يتمثل الحق في صدوره من جهى الألوهيه , وهي الجهه التي تملك حق تنزيل الشرائع , وفرض القوانين . . ويتمثل الحق في محتوياته , وفي كل ما يعرض له من شئون العقيده والشريعه , وفي كل ما يقصه من خير , وما يحمله من توجيه .
(مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه) . .
فهو الصوره الأخيره لدين الله , وهو المرجع الأخير في هذا الشأن , والمرجع الأخير في منهج الحياة وشرائع الناس , ونظام حياتهم , بلا تعديل بعد ذلك ولا تبديل .
ومن ثم فكل اختلاف يجب أن يرد إلى هذا الكتاب ليفصل فيه . سواء كان هذا الاختلاف في التصور الاعتقادي بين أصحاب الديانات السماويه , أو في الشريعه التي جاء هذا الكتاب بصورتها الأخيره . أو كان هذا الاختلاف بين المسلمين أنفسهم , فالمرجع الذي يعودون إليه بآرائهم في شأن الحياه كله هو هذا الكتاب .
ولا قيمه لآراء الرجال ما لم يكن لها أصل تستند إليه من هذا المرجع الأخير .
وتترتب على هذه الحقيقه مقتضياتها المباشره:
(فاحكم بينهم بما أنزل الله , ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق) . .
والأمر موجه ابتداء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كان فيه من أمر أهل الكتاب الذين يبحثون إليه متحاكمين . ولكنه ليس خاصًا بهذا السبب , بل هو عام . . وإلى آخر الزمان . . طالما أنه ليس هناك رسول جديد , ولا رساله جديده , لتعديل شيء ما في هذا المرجع الأخير !
لقد كمل هذا الدين , وتمت به نعمة الله على المسلمين . ورضيه الله لهم منهج حياه للناس أجمعين . ولم يعد هنالك من سبيل لتعديل شيء فيه أو تبديله , ولا لترك شيء من حكمه إلى حكم آخر , ولا شيء من شريعته إلى شريعة أخرى . وقد علم الله حين رضيه للناس , أنه يسع الناس جميعًا . وعلم الله حين رضيه مرجعًا أخيرًا أنه يحقق الخير للناس جميعًا . وأنه يسع حياة الناس جميعًا , الى يوم الدين . وأي تعديل في هذا المنهج - ودعك من العدول عنه - هو إنكار لهذا المعلوم من الدين بالضروره . يخرج صاحبه من هذا الدين . ولو قال باللسان ألف مره:إنه من المسلمين !