فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 207

وإذا كان النص - عند نزوله - يواجه قوة المشركين في شبه الجزيرة , وهي التي كانت تفتن الناس , وتمنع أن يكون الدين لله , فإن النص عام الدلالة , مستمر التوجيه . والجهاد ماض إلى يوم القيامة . ففي كل يوم تقوم قوة ظالمة تصد الناس عن الدين , وتحول بينهم وبين سماع الدعوة إلى الله , والاستجابة لها عند الاقتناع , والاحتفاظ بها في أمان . والجماعة المسلمة مكلفة في كل حين أن تحطم هذه القوة الظالمة ; وتطلق الناس أحرارا من قهرها , يستمعون ويختارون ويهتدون إلى الله .

وهذا التكرار في الحديث عن منع الفتنة , بعد تفظيعها واعتبارها أشد من القتل . . هذا التكرار يوحي بأهمية الأمر في اعتبار الإسلام ; وينشىء مبدأ عظيما يعني في حقيقته ميلادا جديدا للإنسان على يد الإسلام . ميلادا تتقرر فيه قيمة الإنسان بقيمة عقيدته , وتوضع حياته في كفة وعقيدته في كفة , فترجح كفة العقيدة . كذلك يتقرر في هذا المبدأ من هم أعداء"الإنسان". . إنهم أولئك الذين يفتنون مؤمنا عن دينه , ويؤذون مسلما بسبب إسلامه . أولئك الذين يحرمون البشرية أكبر عنصر للخير ويحولون بينها وبين منهج الله . . وهؤلاء على الجماعة المسلمة أن تقاتلهم , وأن تقتلهم حيث وجدتهم (حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله) . .

وهذا المبدأ العظيم الذي سنه الإسلام في أوائل ما نزل من القرآن عن القتال ما يزال قائما . وما تزال العقيدة تواجه من يعتدون عليها وعلى أهلها في شتى العصور . . وما يزال الأذي والفتنة تلم بالمؤمنين أفرادا وجماعات وشعوبا كاملة في بعض الأحيان . . وكل من يتعرض للفتنة في دينه والأذى في عقيدته في أية صورة من الصور , وفي أي شكل من الأشكال , مفروض عليه أن يقاتل وأن يقتل ; وأن يحقق المبدأ العظيم الذي سنه الإسلام , فكان ميلادا جديدا للإنسان . .

فإذا انتهى الظالمون عن ظلمهم ; وكفوا عن الحيلولة بين الناس وربهم ; فلا عدوان عليهم - أي لا مناجزة لهم - لأن الجهاد إنما يوجه إلى الظلم والظالمين:

(فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين) .

ويسمى دفع الظالمين ومناجزتهم عدوانا من باب المشاكلة اللفظية . وإلا فهو العدل والقسط ودفع العدوان عن المظلومين .

ثم يبين حكم القتال في الأشهر الحرم كما بين حكمه عند المسجد الحرام:

(الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص . فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم , واتقوا الله , واعلموا أن الله مع المتقين) . .

فالذي ينتهك حرمة الشهر الحرام جزاؤه أن يحرم الضمانات التي يكفلها له الشهر الحرام . وقد جعل الله البيت الحرام واحة للأمن والسلام في المكان ; كما جعل الأشهر الحرم واحة للأمن والسلام في الزمان . تصان فيها الدماء , والحرمات والأموال , ولا يمس فيها حي بسوء . فمن أبى أن يستظل بهذه الواحة وأراد أن يحرم المسلمين منها , فجزاؤه أن يحرم هو منها . والذي ينتهك الحرمات لا تصان حرماته , فالحرمات قصاص . . ومع هذا فإن إباحة الرد والقصاص للمسلمين توضع في حدود لا يعتدونها . فما تباح هذه المقدسات إلا للضرورة وبقدرها:

(فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) . .

بلا تجاوز ولا مغالاة . . والمسلمون موكولون في هذا إلى تقواهم . وقد كانوا يعلمون - كما تقدم - أنهم إنما ينصرون بعون الله . فيذكرهم هنا بأن الله مع المتقين . بعد أمرهم بالتقوى . . وفي هذا الضمان كل الضمان . . (الظلال)

وفي الوسيط - (ج 1 / ص 326)

وقوله - تعالى -: { وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدين للَّهِ } معطوف على جملة { وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله الذين يُقَاتِلُونَكُمْ } والضمير"هم"يعود على الذين يقاتلون المسلمين وهم من سبق الحديث عنهم .

والمراد من { والفتنة } الشرك وما يتبعه من أذى المشركين للمسلمين واضطهادهم وتعذيبهم .

قال الآلوسي: ويؤيده أن مشركي العرب ليس في حقهم إلا الإِسلام أو السيف .

لقوله - سبحانه -: { تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ } وفي الصحيحين عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحق الإِسلام وحسابهم على الله".

والدين في اللغة: العادة والطاعة ثم استعمل فيما يتعبد به الله - تعالى - سواء أكان ما تعبد الصلاح في الحال والفلاح في المآل .

والمعنى: قالتوا أولئك المشركين حتى تزيلوا الشرك ، وحتى تكسروا شوكتهم ولا يستطيعوا أن يفتنوا طائفة من أهل الدين الحق ، وحتى يكون الدين الظاهر في الأرض هو الدين الذي شرعه الله - تعالى - على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت