وقد تحقق ذلك بالقتال الذي دار المسلمين والمشركين في أكثر من عشرين غزوة قادها النبي صلى الله عليه وسلم وفي أكثر من أربعين سرية بعث فيها أصحابه ، وكانت ثمار هذه المعارك أن انتصر الحق وزهق الباطل ، وقبل أن يلتحق النبي صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى كان الدين الظاهر في جزية العرب هو الدين الإِسلام الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم .
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: { فَإِنِ انتهوا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظالمين } والعدوان في أصل اللغة: الاعتداء والظلم الذي هو من الأفعال المحرمة والمراد به في الآية القتل حيث يرتكب جزاء للظالمين .
والفاء في قوله: { فَإِنِ انتهوا } للتعقيب . وقوله: { فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظالمين } قائم مقام جواب الشرط ، لأنه علة الجواب المحذوف .
والمعنى: فإن امتنعوا عن قتالكم ولم يقدموا عليه ، وأذعنوا لتعاليم الإِسلام ، فكفوا عن قتالهم ، لأنهم قد انتفى عنهم وصف الظلم ، وما دام قد انتفى عنهم هذا الوصف فلا يصح أن تقاتلوهم ، إذ القتال إنما يكون للظالمين تأديبًا لهم ليرجعوا عن ظلمهم .
ففي الجملة الكريمة إيجاز بالحذف ، واستغناء عن المحذوف بالتعليل الدال عليه .
قال الإِمام الرازي: أما قوله - تعالى -: { فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظالمين } ففيه وجهان:
الأول: فإن انتهوا فلا عدوان أي: فلا قتل إلا على الذين لا ينتهون عن الكفر ، فإنهم بإصرارهم على كفرهم ظالمون لأنفسهم قال - تعالى - { إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } فإن قيل: لم يسمى ذلك القتل عدوانا مع أنه في نفسه صواب؟ قلنا: لأن ذلك القتل جزاء العدوان فصح إطلاق اسم العدوان عليه ، كقوله - تعالى -: { وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا } الثاني: إن تعرضتم لهم بعد انتهائهم عن الشرك والقتال كنتم أنتم ظالمين ، فتسلط عليكم من يعتدى عليكم .
وقال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } (39) سورة الأنفال
(حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) . .
ومع أن غاية الجهاد قد تحددت بهذا النص الواضح ; وتبين منها أنه جهاد لله , وفي سبيل أهداف تخص دعوة الله ودينه ومنهجه للحياة . .
ومع أن ملكية الأنفال التي تتخلف عن هذا الجهاد قد بت في أمرها من قبل , فردت إلى الله والرسول , وجرّد منها المجاهدون لتخلص بينّتهم وحركتهم لله . . مع هذا وذلك فإن المنهج القرآني الرباني يواجه الواقع الفعلي بالأحكام المنظمة له . فهناك غنائم وهناك محاربون . وهؤلاء المحاربون يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم:هم يتطوعون للجهاد , وهم يجهزون أنفسهم على نفقتهم الخاصة ; وهم يجهزون غيرهم من المجاهدين الذين لا يجدون ما ينفقون . .
ثم هم يغنمون من المعركة غنائم . يغنمونها بصبرهم وثباتهم وبلائهم في الجهاد . . ولقد خلص الله نفوسهم وقلوبهم من أن يكون فيها شيء يحيك من شأن هذه الغنائم فرد ملكيتها ابتداء لله ورسوله .
وهكذا لم يعد من بأس في إعطائهم نصيبهم من هذه الغنائم - وهم يشعرون أنهم إنما يعطيهم الله ورسوله - فيلبي هذا الإعطاء حاجتهم الواقعية , ومشاعرهم البشرية , دون أن ينشأ عنه محظور من التكالب عليه , والتنازع فيه , بعد ذلك الحسم الذي جاء في أول السورة . .
إنه منهج الله الذي يعلم طبيعة البشر ; ويعاملهم بهذا المنهج المتوازن المتكامل , الذي يلبي حاجات الواقع كما يلبي مشاعر البشر ; وفي الوقت ذاته يتقي فساد الضمائر وفساد المجتمع , من أجل تلك المغانم ! (الظلال)
وفي الوسيط - (ج 1 / ص 1821)
قال الجمل: وقوله: { وَقَاتِلُوهُمْ } معطوف على قوله { قُل لِلَّذِينَ كفروا } . ولكن لما كان الغرض من الأول التلطف بهم وهو وظيفة النبى وحده جاء بالإفراد . ولما كان الغرض من الثانى تحريض المؤمنين على القتال جاء بالجمع فخوطبوا جميعا .
وقوله { فَإِنِ انْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } أى: فإن انتهوا عن كفرهم وعن معاداتكم ، فكفوا أيديكم عنهم ، فإن الله - تعالى - لا يخفى عليه شئ من أعمالهم ، وسيجازيهم عليها بما يستحقون من ثواب أو عقاب .
وقوله { وَإِن تَوَلَّوْاْ فاعلموا أَنَّ الله مَوْلاَكُمْ نِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير } بشارة منه - سبحانه - للمؤمنين بالنصر والتأييد .
أى: وإن أعرضوا عن الإِيمان ولم ينتهوا عن الكفر والطغيان { فاعلموا أَنَّ الله مَوْلاَكُمْ } أى: ناصركم ومعينكم عليهم ، فثقوا بولايته ونصرته ، فهو - سبحانه - { مَوْلاَكُمْ نِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير } لأنه لا يضيع من تولاه ، ولا يهزم من نصره .
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد فتحت