فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 207

وقد تحقق ذلك بالقتال الذي دار المسلمين والمشركين في أكثر من عشرين غزوة قادها النبي صلى الله عليه وسلم وفي أكثر من أربعين سرية بعث فيها أصحابه ، وكانت ثمار هذه المعارك أن انتصر الحق وزهق الباطل ، وقبل أن يلتحق النبي صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى كان الدين الظاهر في جزية العرب هو الدين الإِسلام الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم .

ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: { فَإِنِ انتهوا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظالمين } والعدوان في أصل اللغة: الاعتداء والظلم الذي هو من الأفعال المحرمة والمراد به في الآية القتل حيث يرتكب جزاء للظالمين .

والفاء في قوله: { فَإِنِ انتهوا } للتعقيب . وقوله: { فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظالمين } قائم مقام جواب الشرط ، لأنه علة الجواب المحذوف .

والمعنى: فإن امتنعوا عن قتالكم ولم يقدموا عليه ، وأذعنوا لتعاليم الإِسلام ، فكفوا عن قتالهم ، لأنهم قد انتفى عنهم وصف الظلم ، وما دام قد انتفى عنهم هذا الوصف فلا يصح أن تقاتلوهم ، إذ القتال إنما يكون للظالمين تأديبًا لهم ليرجعوا عن ظلمهم .

ففي الجملة الكريمة إيجاز بالحذف ، واستغناء عن المحذوف بالتعليل الدال عليه .

قال الإِمام الرازي: أما قوله - تعالى -: { فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظالمين } ففيه وجهان:

الأول: فإن انتهوا فلا عدوان أي: فلا قتل إلا على الذين لا ينتهون عن الكفر ، فإنهم بإصرارهم على كفرهم ظالمون لأنفسهم قال - تعالى - { إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } فإن قيل: لم يسمى ذلك القتل عدوانا مع أنه في نفسه صواب؟ قلنا: لأن ذلك القتل جزاء العدوان فصح إطلاق اسم العدوان عليه ، كقوله - تعالى -: { وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا } الثاني: إن تعرضتم لهم بعد انتهائهم عن الشرك والقتال كنتم أنتم ظالمين ، فتسلط عليكم من يعتدى عليكم .

وقال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } (39) سورة الأنفال

(حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) . .

ومع أن غاية الجهاد قد تحددت بهذا النص الواضح ; وتبين منها أنه جهاد لله , وفي سبيل أهداف تخص دعوة الله ودينه ومنهجه للحياة . .

ومع أن ملكية الأنفال التي تتخلف عن هذا الجهاد قد بت في أمرها من قبل , فردت إلى الله والرسول , وجرّد منها المجاهدون لتخلص بينّتهم وحركتهم لله . . مع هذا وذلك فإن المنهج القرآني الرباني يواجه الواقع الفعلي بالأحكام المنظمة له . فهناك غنائم وهناك محاربون . وهؤلاء المحاربون يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم:هم يتطوعون للجهاد , وهم يجهزون أنفسهم على نفقتهم الخاصة ; وهم يجهزون غيرهم من المجاهدين الذين لا يجدون ما ينفقون . .

ثم هم يغنمون من المعركة غنائم . يغنمونها بصبرهم وثباتهم وبلائهم في الجهاد . . ولقد خلص الله نفوسهم وقلوبهم من أن يكون فيها شيء يحيك من شأن هذه الغنائم فرد ملكيتها ابتداء لله ورسوله .

وهكذا لم يعد من بأس في إعطائهم نصيبهم من هذه الغنائم - وهم يشعرون أنهم إنما يعطيهم الله ورسوله - فيلبي هذا الإعطاء حاجتهم الواقعية , ومشاعرهم البشرية , دون أن ينشأ عنه محظور من التكالب عليه , والتنازع فيه , بعد ذلك الحسم الذي جاء في أول السورة . .

إنه منهج الله الذي يعلم طبيعة البشر ; ويعاملهم بهذا المنهج المتوازن المتكامل , الذي يلبي حاجات الواقع كما يلبي مشاعر البشر ; وفي الوقت ذاته يتقي فساد الضمائر وفساد المجتمع , من أجل تلك المغانم ! (الظلال)

وفي الوسيط - (ج 1 / ص 1821)

قال الجمل: وقوله: { وَقَاتِلُوهُمْ } معطوف على قوله { قُل لِلَّذِينَ كفروا } . ولكن لما كان الغرض من الأول التلطف بهم وهو وظيفة النبى وحده جاء بالإفراد . ولما كان الغرض من الثانى تحريض المؤمنين على القتال جاء بالجمع فخوطبوا جميعا .

وقوله { فَإِنِ انْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } أى: فإن انتهوا عن كفرهم وعن معاداتكم ، فكفوا أيديكم عنهم ، فإن الله - تعالى - لا يخفى عليه شئ من أعمالهم ، وسيجازيهم عليها بما يستحقون من ثواب أو عقاب .

وقوله { وَإِن تَوَلَّوْاْ فاعلموا أَنَّ الله مَوْلاَكُمْ نِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير } بشارة منه - سبحانه - للمؤمنين بالنصر والتأييد .

أى: وإن أعرضوا عن الإِيمان ولم ينتهوا عن الكفر والطغيان { فاعلموا أَنَّ الله مَوْلاَكُمْ } أى: ناصركم ومعينكم عليهم ، فثقوا بولايته ونصرته ، فهو - سبحانه - { مَوْلاَكُمْ نِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير } لأنه لا يضيع من تولاه ، ولا يهزم من نصره .

وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد فتحت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت