رابعا:أن اليهود منهم قالت:عزير ابن الله . وأن النصارى منهم قالت:المسيح ابن الله وأنهم في هذين القولين يضاهئون قول الذين كفروا من قبل سواء من الوثنيين الإغريق , أو الوثنيين الرومان , أو الوثنيين الهنود , أو الوثنيين الفراعنة , أو غيرهم من الذين كفروا [ وسنفصل فيما بعد أن التثليث عند النصارى , وادعاء البنوة لله منهم أو من اليهود مقتبس من الوثنيات السابقة وليس من أصل النصرانية ولا اليهودية ] .
خامسا:أنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله . كما اتخذوا المسيح ربا . وأنهم بهذا خالفوا عما أمروا به من توحيد الله والدينونة له وحده , وأنهم لهذا (مشركون) !
سادسا:أنهم محاربون لدين الله يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم , وأنهم لهذا (كافرون) !
سابعا:أن كثيرًا من أحبارهم ورهبانهم يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله .
وعلى أساس هذه الأوصاف وهذا التحديد لحقيقة ما عليه أهل الكتاب , قرر الأحكام النهائية التي تقوم عليها العلاقات بينهم وبين المؤمنين بدين الله , القائمين على منهج الله . .
ولقد يبدو أن هذا التقرير لحقيقة ما عليه أهل الكتاب , مفاجئ ومغاير للتقريرات القرآنية السابقة عنهم ; كما يحلو للمستشرقين والمبشرين وتلاميذهم أن يقولوا , زاعمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غير أقواله وأحكامه عن أهل الكتاب عندما أحس بالقوة والقدرة على منازلتهم !
ولكن المراجعة الموضوعية للتقريرات القرآنية - المكية والمدنية - عن أهل الكتاب , تظهر بجلاء أنه لم يتغير شيء في أصل نظرة الإسلام إلى عقائد أهل الكتاب التي جاء فوجدهم عليها , وانحرافها وبطلانها ; وشركهم وكفرهم بدين الله الصحيح - حتى بما أنزل عليهم منه وبالنصيب الذي أوتوه من قبل - أما التعديلات فهي محصورة في طريقة التعامل معهم . . وهذه - كما قلنا مرارًا - تحكمها الأحوال والأوضاع الواقعية المتجددة . أما الأصل الذي تقوم عليه - وهو حقيقة ما عليه أهل الكتاب - فهو ثابت منذ اليوم الأول في حكم الله عليهم .
ونضرب هنا بعض الأمثلة من التقريرات القرآنية عن أهل الكتاب وحقيقة ما هم عليه . . ثم نستعرض مواقفهم الواقعية من الإسلام وأهله , تلك المواقف التي انتهت إلى هذه الأحكام النهائية في التعامل معهم:
في مكة لم تكن توجد جاليات يهودية أو نصرانية ذات عدد أو وزن في المجتمع . . إنما كان هناك أفراد , يحكي القرآن عنهم أنهم استقبلوا الدعوة الجديدة إلى الإسلام بالفرح والتصديق والقبول ; ودخلوا في الإسلام , وشهدوا له ولرسوله بأنه الحق المصدق لما بين أيديهم . . ولا بد أن يكون هؤلاء ممن كان قد بقي على التوحيد من النصارى واليهود ; وممن كان معهم شيء من بقايا الكتب المنزلة . . وفي أمثال هؤلاء وردت مثل هذه الآيات:
(الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون . وإذا يتلى عليهم قالوا:آمنا به , إنه الحق من ربنا , إنا كنا من قبله مسلمين) . . . [ القصص:52 - 53 ] .
قل:آمنوا به أولا تؤمنوا , إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا , ويقولون:سبحان ربنا , إن كان وعد ربنا لمفعولا . ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا . . . [ الإسراء:107 - 109 ] .
(قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به , وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله , فآمن واستكبرتم , إن الله لا يهدي القوم الظالمين) . . . [ الأحقاف:10 ] .
(وكذلك أنزلنا إليك الكتاب , فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به , ومن هؤلاء من يؤمن به , وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون) . . . [ العنكبوت:47 ] .
أفغير الله أبتغي حكمًا وهو الذي انزل اليكم الكتاب مفصلا , والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق , فلا تكونن من الممترين
.. . [ الأنعام:114 ] .
(والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك , ومن الأحزاب من ينكر بعضه . قل:إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به , إليه أدعو وإليه مآب) . . . [ الرعد:36 ] .
وقد تكررت هذه الاستجابة من أفراد كذلك في المدينة ; حكى عنهم القرآن بعض المواقف في السور المدنية ; مع النص في بعضها على أنهم من النصارى , ذلك أن اليهود كانوا قد اتخذوا موقفًا آخر غير ما كان يتخذه أفراد منهم في مكة , عندما أحسوا خطر الإسلام في المدينة:
وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن باللّه وما انزل اليكم وما أنزل إليهم , خاشعين للّه لا يشترون بآيات اللّه ثمنًا قليلًا , أولئك لهم أجرهم عند ربهم , إن اللّه سريع الحساب . . . [ آل عمران:199 ] .