استقبلوه بالدسائس والأكاذيب والشبهات والفتن يلقونها في الصف المسلم في المدينة بكافة الطرق الملتوية الماكرة التي يتقنها اليهود . . شككوا في رسالة رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وهم يعرفونه ; واحتضنوا المنافقين وأمدوهم بالشبهات التي ينشرونها في الجو وبالتهم والأكاذيب . وما فعلوه في حادث تحويل القبلة , وما فعلوه في حادث الإفك , وما فعلوه في كل مناسبة , ليس إلا نماذج من هذا الكيد اللئيم . . وفي مثل هذه الأفاعيل كان يتنزل القرآن الكريم . وسور البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والحشر والأحزاب والتوبة وغيرها تضمنت من هذا الكثير:
ولما جاءهم كتاب من عند اللّه مصدق لما معهم - وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا - فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به , فلعنة اللّه على الكافرين . بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل اللّه - بغيًا أن ينزل اللّه من فضله على من يشاء من عباده - فباءوا بغضب على غضب , وللكافرين عذاب مهين . . . [ البقرة:89 - 90 ] .
وبعد هذا التقرير والبيان تختم الآية المبينة لحقيقة ما عليه أهل الكتاب من الكفر والشرك , بقوله تعالى: (قاتلهم اللّه ! أنى يؤفكون ?) .
و . . نعم . . قاتلهم اللّه ! كيف يُصرفون عن الحق الواضح البسيط , إلى هذه الوثنية المعقدة الغامضة التي لا تستقيم لدى عقل أو ضمير ?! (الظلال)
إن تعرية أهل الكتاب من شبهة أنهم على شيء من دين اللّه , ألزم وأشد ضرورة من بيان حال المشركين الصريحين في شركهم , الشاهدين على أنفسهم بالكفر بظاهر عقائدهم وشعائرهم . . ذلك أن نفوس المسلمين لا تنطلق الانطلاق الكامل لمواجهة الجاهلية إلا حين يتجلى لها تمامًا وجه الجاهلية ! ووجه الجاهلية مكشوف صريح فيما يختص بالمشركين ; وليس الحال كذلك فيما يختص بأهل الكتاب [ ومن يزعمون أنهم على شيء من دين اللّه من أمثالهم , كالشأن في الغالبية العظمى ممن يدعون أنفسهم اليوم"مسلمين"]
ولقد احتاج الانطلاق الكامل لمواجهة المشركين كثيرًا من البيان في هذه السورة , نظرًا للملابسات التي شرحناها في التقديم لهذه السورة وفي التقديم للمقطع الأول منها كذلك . حيث قال اللّه - سبحانه - للمؤمنين: (كيف يكون للمشركين عهد عند اللّه وعند رسوله . إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام , فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم , إن اللّه يحب المتقين . كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاًّ ولا ذمة ; يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون . اشتروا بآيات اللّه ثمنًا قليلًا فصدوا عن سبيله , إنهم ساء ما كانوا يعملون . لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة وأولئك هم المعتدون) .
ألا تقاتلون قومًا نكثوا أيمانهم , وهموا بإخراج الرسول , وهم بدأوكم أول مرة ? أتخشونهم ? فاللّه أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين . قاتلوهم يعذبهم اللّه بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم , ويشف صدور قوم مؤمنين , ويذهب غيظ قلوبهم , ويتوب اللّه على من يشاء , واللّه عليم حكيم
(ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد اللّه شاهدين على أنفسهم بالكفر , أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون) .
(يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان , ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون) . . . . الخ . . . الخ . . .
وإذا كان الانطلاق لمجاهدة المشركين قد اقتضى كل هذه الحملة - وأمرهم ظاهر - نظرًا لتلك الملابسات التي كانت قائمة في التكوين العضوي للمجتمع المسلم في تلك الفترة . . فقد كان الانطلاق لمجاهدة أهل الكتاب في حاجة إلى حملة أشد وأعمق . تستهدف - أول ما تستهدف - تعرية أهل الكتاب هؤلاء من تلك"اللافتة"الشكلية التي لم تعد وراءها حقيقة ; وتظهرهم على حقيقتهم الواقعية . . مشركين كالمشركين . . كفارًا كالكفار . . محاربين للّه ولدينه الحق كأمثالهم من المشركين الكافرين . . ضلالًا يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل اللّه . . في مثل هذه النصوص القاطعة الصريحة:"قاتلوا الذين لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر , ولا يحرمون ما حرم اللّه ورسوله , ولا يدينون دين الحق من الذين أتوا الكتاب , حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون . وقالت اليهود:عزير ابن اللّه , وقالت النصارى:المسيح ابن اللّه . ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل . قاتلهم اللّه ! أنى يؤفكون ? اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون اللّه والمسيح ابن مريم , وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو , سبحانه عما يشركون . يريدون أن يطفئوا نور اللّه بأفواههم ويأبى اللّه إلا أن يتم نوره . ولو كره الكافرون . هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله , ولو كره المشركون . . يا أيها الذين آمنوا إن كثيرًا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل اللّه . . . الخ". .