إن الحرف والصناعات الخفيفة أعمال سنية، وفروض كفاية مرعية، فأردت أن أستعرض من كتب الحديث الشريف ما يبين فضل هذه الحرف وثواب أهلها، وحث الرسول -صلى الله عليه وسلم- وثناؤه عليها وعلى أهلها، وليعلم أصحاب الحرف والصنائع أن أعمالهم كريمة تولاها قبله الصحابة الكرام، فهذا أحرى ليحسن أصحاب الحرف العمل والمقصد، ويجتهدوا في الإتقان بما يوجبه الشرع ويقتضيه، فيكونوا قد أحيوا سنة، وأحرزوا حسنة، ونفعوا أنفسهم، وأرضوا ربهم، وساهموا في تقوية أمتهم.
فضائل العمل الحرفي:
…يعتبر العمل في الإسلام العنصر الفعال في كل طرق الكسب، وهو يمثل النشاط الدائب والحركة المستمرة في سبيل رفع مستوى المعيشة، ونظرًا لأهمية العمل، ودوره في عملية الإنتاج وتسيير دفة الحياة؛ فقد أولاه الإسلام عناية فائقة، وحفز الناس إليه، وأثنى على الماهرين وندب إلى اختيار المتقنين، وحذر القادرين على ألا يركنوا إلى الكسل والبطالة، والأحاديث في الحث على كسب اليد كثيرة ومتعددة، وقد زادت في عددها على سبعة وستين حديثًا في الكتب التسعة (1) منها:
عن المقدام -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود -عليه السلام- كان يأكل من عمل يده) (2) .
قال ابن حجر العسقلاني:
-والمراد بالخيرية ما يستلزم العمل باليد من الغنى عن الناس.
-ولابن ماجه من طريق عمر بن سعد عن خالد بن معدان عنه"ما كسب الرجل أطيب من عمل يديه".
-ولابن المنذر من هذا الوجه"ما أكل رجل طعاما قط أحل من عمل يديه".
-وفي فوائد هشام بن عمار عن بقية حدثني عمر بن سعد بهذا الإسناد مثل حديث الباب وزاد"من بات كالا من عمله بات مغفورا له".
(1) الكتب التسعة: هي البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجه وأحمد ومالك والدارمي.
(2) صحيح البخاري/ كتاب البيوع/ باب كسب الرجل وعمله بيده 2/730.