-وزاد في أول حديث أبي هريرة قوله"والذي نفسي بيده"ففيه القسم على الشيء المقطوع بصدقه لتأكيده في نفس السامع, وفيه الحض على التعفف عن المسألة والتنزه عنها ولو امتهن المرء نفسه في طلب الرزق وارتكب المشقة في ذلك, ولولا قبح المسألة في نظر الشرع لم يفضل ذلك عليها وذلك لما يدخل على السائل من ذل السؤال ومن ذل الرد إذا لم يعط ولما يدخل على المسئول من الضيق في ماله إن أعطى كل سائل.
-وأما قوله"خير له"فليست بمعنى أفعل التفضيل إذ لا خير في السؤال مع القدرة على الاكتساب, والأصح عند الشافعية أن سؤال من هذا حاله حرام, ويحتمل أن يكون المراد بالخير فيه بحسب اعتقاد السائل وتسميته الذي يعطاه خيرا وهو في الحقيقة شر, والله أعلم" (1) ."
وفي السنة الفعلية أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رعى الغنم لأهل مكة وتاجر بمال خديجة -رضي الله عنها-.
الفوائد المستخرجة من الأحاديث النبوية في الحث على الحرف والصناعات اليدوية:
* أولًا: تقديمه -صلى الله عليه وسلم- الأسوة والقدوة في الاهتمام بالحرف وتنميتها، قال الحافظ ابن القيم:"إن النبي -صلى الله عليه وسلم-:"
باع واشترى، وشراؤه أكثر.
وآجر وستأجر، وإيجاره أكثر.
وضارب وشارك وتوكل، وتوكيله أكثر.
وأهدى وأهدي إليه، ووهب واستوهب.
واستدان واستعار، وضمن عامًا وخاصًا.
ووقف وشفع، فقبل تارة ورد أخرى، ولم يعتب ولم يغضب.
وحلف واستحلف، ومضى في يمينه وكفر أخرى.
ومازح وروى ولم يقل إلا حقًا، وهو -صلى الله عليه وسلم- الأسوة والقدوة" (2) ."
* ثانيًا: إبراز الحكم الشرعي لطلب التكسب، وأنه من الفرائض، وهو على درجتين:
فرض عين: وهو الكسب بقدر الكفاية للقادر عليه؛ لنفع نفسه وعياله وقضاء دينه.
فرض كفاية: وهو الكسب الذي يطلب صاحبه به الزيادة على أدنى الكفاية؛ ليواسي فقيرًا أو يجازي قريبًا.
(1) فتح الباري لابن حجر 3/336.
(2) زاد المعاد في هدي خير العباد لابن قيم الجوزية 1/154.