* ثالثًا: استحباب النية لأصحاب الحرف، فإن نوى الاستعفاف عن المسألة فهو المقتصد الذي يحصل على أولى درجات الثواب؛ لأنه طلب الكسب للدنيا من وجه حلال، وإن قصد بالعمل الإحسان إلى المحتاجين ومساعدتهم أو قصد العمل لمجرد أن العمل عبادة فهو السابق بالخيرات، وأما من اشتغل بلا نية فقد فاته الأجر بترك النية -وإن كان لا إثم عليه.
* رابعًا: عرض أقوال العلماء في أفضل أنواع المكاسب من الحرف:
إن الناظر إلى الروايات الواردة والقرائن الشاهدة في الأحاديث النبوية، يجد عدة أقوال في هذه المسألة، لخصها الحافظ ابن حجر عند قول الإمام البخاري: باب كسب الرجل وعمله بيده، فقال:
قال الماوردي: أصول المكاسب الزراعة والتجارة والصنعة.
وذهب الشافعي إلى أن أطيبها التجارة والزراعة، ثم رجح أن أطيبها الزراعة لأنها أقرب إلى التوكل.
قال النووي: أطيب الكسب ما كان بعمل اليد؛ لما فيه من النفع العام للآدمي وللدواب، ومن لم يعمل بيده فالزراعة في حقه أفضل.
وذهب الحافظ ابن حجر إلى الجمع بين الأقوال السابقة فقال: والصواب أن ذلك يختلف باختلاف الأوقات والأشخاص، فإن كانت الحاجة إلى الأقوات فالزراعة أفضل، وإن كانت إلى التجارة فتكون أفضل، وإن كانت الحاجة إلى الصنعة تكون أفضل، وإلا فكلها فروض كفاية" (1) ."
* خامسًا: التوفيق بين الأحاديث الواردة في مدح الزراعة وذمها:
على الرغم من وضوح الفضل الوارد بحق الزراعة، إلا أن بعض الروايات أشارت إلى ذمها، ومن ذلك:
1-الأحاديث الواردة في ذم الزراعة:
عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) (2) .
(1) فتح الباري شرح صحيح البخاري 4/304.
(2) سنن أبي داود/ كتاب البيوع/ باب في النهي عن العينة/ حديث 3003.