…وتوسيعا لمعنى البيان عند المالكية قسم الباجي الأفعال إلى قسمين: أحدهما: ما يفعله بيانًا لمجمل الوجوب في الكتاب أو السنة، والثاني: ما يفعله ابتداءً وهو على ضربين: الأول: ما لا مرية فيه؛ نحو الأكل والشرب، فهذا على الإباحة، والثاني: ما فيه قربة وعبادة. (1)
…إلا أن الذي ذكره الباجي لا يجد إقرارا كاملا من علماء المالكية وخصوصًا الضرب الثاني، فهل يحمل على الوجوب أم الندب أم الوقف، والذي عليه أكثرهم حمل ذلك على الوجوب إتباعا لرأي الإمام مالك" (2) "
…لقوله تعالى { وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } (3) والإتباع له يكون في أقواله وأفعاله.
والملاحظ أن المالكية وسعوا من معنى بيان السنة ليشمل الصحابة والعلماء معا، فأما الصحابة فلأنهم باشروا الوقائع والنوازل، ونزول الوحي ولمعرفتهم باللسان العربي، فإذا جاء عنهم قول أو عمل واقع موقع البيان صح اعتماده من هذه الجهة (4)
…أما العلماء فيقع منهم البيان لأنهم ورثة الأنبياء لما دلت عليه الأدلة كما في قوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى } (5)
…أما ابن حزم فيقوم تصوره للبيان على مبدأ تشريعي وعقدي، إذ لا يجب التفريق عنده بين القرآن والسنة من حيث المرجع والمصدر، فهما يعودان معا إلى منبع واحد هو الوحي، يقول ابن حزم رحمه الله"القرآن والخبر الصحيح بعضهما مضاف إلى بعض، وهما شيء واحد في أنهما من عند الله" (6)
(1) أبو الوليد الباجي / إحكام الفصول في أحكام الأصول / ص 309 )
(2) المصدر السابق / ص 310 )
(3) سورة الأعراف / الآية رقم 158 )
(4) الموافقات / ج 3، ص 195 )
(5) سورة البقرة / الآية رقم 159 )
(6) ابن حزم / الإحكام / ج 1، ص 109 )