ولما كانت السنة كذلك كان كلام نبيه - صلى الله عليه وسلم - كله وحي، والوحي بلا خلاف ذَِكر، وجب أن يكون الحديث نفسه محفوظا إذ أن"الذِكرُ اسم واقع على كل ما انزل الله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - من قرآن أو سنة" (1)
…ولما كانت السنة من الوحي وكان الوحي محفوظا؛ فإنها تسلم كما يسلم القرآن من الاختلاط والاختلاف، وفي ذلك يقول الله تعالى:
{ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا } (2)
وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن ابن حزم يريد للشريعة أن تتأسس على مبادئ قطعية ويقينية لا يتسرب إليها الظن والهوى، ومن ثم تفردها عن الشرائع الأخرى التي أصابها التحريف والتبديل، والتي لم يكن طريق نقلها والحفاظ عليها الخبر الصحيح والنقل السليم.
…وبيان هذا أن نقل المسلمين لدينهم وشريعتهم ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: شيء نقله أهل المغرب والمشرق عن أمثالهم جيلا بعد جيل، لا يختلف فيه مؤمن، وهو القرآن الكريم المكتوب في المصاحف، وكذلك الإيمان والصلوات.
الثاني: شيء نقله الكافة عن مثلها، حتى يبلغ المرء كذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك ككثير من معجزاته وكثير من مناسك الحج.
الثالث: شيء نقله الثقة حتى يبلغ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق جماعة من الصحابة، إما إلى الصاحب وإما التابعي.
فأما هذه الأقسام الثلاثة فهي بحق طرق النقل الصحيح، ومنها يأخذ المسلمون دينهم، يقول ابن حزم:
(1) المصدر السابق / ج 1، ص 136 )
(2) سورة النساء / الآية رقم 82 )