فهرس الكتاب

الصفحة 392 من 1114

…بمقارنة الحياة الاجتماعية -التي تهدف التربية الإسلامية إلى بنائها- مع غيرها من أنماط التربية السائدة، ندرك أن التربية الإسلامية تهدف إلى بناء شخصية لا تحصرها حدود المكان، فكل قطر من أقطار الإسلام يعد قطرا للمسلم ويعتز بالانتساب إليه، بل وكل زمان من الأزمان يحس برحم تصله، فهو ينتسب إلى المؤمنين على اختلاف ازمانهم، ويحس أنه فرد من أفرادهم وأنه تربطه بهم صلة وثيقة تتطلب منه أن يقدم لهم واجبا ، حتى ولو لم يرهم، ولعل قوله تعالى: ( والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ربنا إنك رءوف رحيم) (1) يجسد هذا المعنى، وهو تربطه رحم بكل مؤمن حتى قبل النبي الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم- فالانبياء كلهم أصول لشجرة العائلة الكبيرة التي ينتسب إليها، وأتباعهم فروع لهذه الشجرة الكبيرة التي ينتسب إليها، وكذا يحس بأن أناسا تربطهم بها صلة لما يأتوا ، وهو من يأتي بعد، كل هذا يجسد المعنى الشمولي لهذه النسبة، والسمو الاجتماعي الذي تنشده الرسالة الإسلامية بخلاف التربيات السائدة؛ إذ غاية ما ينشدون أن يكون منتسبا إلى تربية بنمط معين ضمن إقليم معين، حيث لا تتجاوز طموحاتها المراحل التالية: (الأسرة فالعشيرة فالقبيلة فالعنصرية) ، ومنذ عهد قريب بدأنا نسمع أصواتا تنادي بما هو أبعد، بالتربية الإنسانية، ولم يكن ذلك إلا بعد الوقوع في دعوات مذمومة إقليمية، فكانت الحاجة إلى الدعوات الإنسانية، وهي ما فتئت التربية الإسلامية تنمي أبناءها في ضوئها من أول لحظة ظهور، لكن شتان بين هذه الدعوات التي تنادي بها أنماط التربية الوضعية وبين ما تنادي به التربية الإسلامية فالتطبيق الواقعي يكشف عن زيف هذه الدعوات وافتقارها إلى عملية التطبيق، هذا فضلا عن تغير الموازين التي تحتكم إليها، وازدواجية النظرة إلى الإنسانية كما نلمسه على أرض الواقع، فالمناداة الإنسانية لحقوق

(1) سورة الحشر/ الآية 10.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت