… البناء النفسي الذي تقدمه السنة النبوية فوق ما تقدم بناء متزن لا يركز على جانب دون جانب، فلا الجانب العبادي يطغى على الجانب المعيشي -كما تقدم- ، ولا على فئة دون فئة، فلا التركيز على مرحلة الشباب وإهمال الطفولة ولا على مرحلة الشيخوخة ونسيان الكهولة، ولا على الذكور دون الإناث، جميع أفراد المجتمع معنيون بهذا البناء.
…هذا البناء المتوازن له دور كبير في حفظ الشخصية من الضياع والاختلال أوالميل نحو الانحراف، وهو ما تحتاج إليه الحضارات في هذا الزمان: خوف من التطرف، وقلق من ازدياد الجرائم والاعتداءات بأشكالها المختلفة، وقلق على أمن البشرية، ولو تأمل أصحاب القرارات في أسباب ما آلت إليه الحياة في هذا الزمان لأدركوا أن سببه افتقار الشخصية إلى هذا البعد.
…ولعل ما يوضح القيمة الحضارية لهذا البعد ما قدمته الأمة من نماذج برزت فيها كل معاني التوازن والاعتدال، فقد كان المسلمون يوازنون بين حاجات الأمة الرسالية: من دعوة وجهاد.. وبين حاجاتها التعليمية في الميادين المختلفة، وهو الذي يفسر لنا سر تقدم المسلمين في مختلف الميادين العلمية.
…ونحن نتحدث عن البعد المتوازن لا بد من تقديم بعض نصوص السنة التي تدعو إلى هذا التوازن: منها قوله - صلى الله عليه وسلم:"يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا"وفي رواية: وسكنوا ولا تنفروا" (1) "
(1) صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب قول الرسول يسروا ولا تعسروا، ح ( 5660) ، و ح (67) .