قبل الخوض في رعاية النبي - صلى الله عليه وسلم - لموهبة ابن عباس رضي الله عنهما أردت أن أذكر الدلائل العامة على موهبة ابن عباس - رضي الله عنهما - لإثبات تفوقه وبروزه، ولقد تبين لنا أن الموهوب هو الذي يزيد استعداده العقلي وأداؤه عن معايير عمره، وأنه يفوق أقرانه في قدراته العقلية، والمتأمل لسيرة ابن عباس يجد أنه قد فاق الأكابر قبل الأصاغر ولاسيما في قدراته العلمية وفي تفسير القرآن على وجه الخصوص وإذا علمنا أن ابن عباس - رضي الله عنه - كان عمره ثلاث عشرة سنة (1) عند وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، تبين لنا مدى تفوقه على الآخرين، ولا أدل على ذلك ما أخرجه البخاري (2) عن ابن عباس قال:"كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: أنه من حيث علمتم، فدعا ذات يوم فأدخله معهم، فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم، قال: ما تقولون في قول الله تعالى: { إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ } [النصر:1] ، فقال بعضهم: أمرنا نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا، فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلمه له، قال: { إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ } [النصر:1] ، وذلك علامة أجلك. { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا } [النصر:3] فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول".
(1) انظر: ابن حجر، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ج11، ص90.
(2) البخاري، كتاب التفسير، باب قوله: { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ.... } [النصر: 3] رقم (4970) .