وأنت ترى أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان يدرك معالم موهبة ابن عباس العلمية فلذلك كان يدخله مع أكابر القوم (أشياخ بدر) ، فلما احتجوا عليه بإدخال ابن عباس إلى مجالس الكبار دون أبنائهم، أجابهم (أنه من حيث علمتم) ، أي أنه قد فاق أبناءكم علمًا وحكمة، ثم أثبت لهم بالدليل العملي موهبة ابن عباس عندما طلب منهم تفسير آية من كتاب الله، فلما فسر بعضهم الآية على ظاهرها وسكت الآخرون، برز ذاك الغلام الموهوب ففسرها تفسيرًا رائعًا، بربطه بين الفتح ودنو أجل النبي - صلى الله عليه وسلم -، علموا حين ذلك بروزه وأيقنوا موهبته، وأنه قد فاق الأكابر قبل الأصاغر، فلذلك ورد عن عمر أنه كان يقول فيه:"ذاكم فتى الكهول له لسان سؤول وقلب عقول" (1) .
ومن دلائل موهبة ابن عباس - رضي الله عنه - قول عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه:"لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عشره منا أحد"،"ولنعم ترجمان القرآن ابن عباس" (2) ، وهذه شهادة من صحابي من أعلم صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومع ذلك يذكر لو أن ابن عباس لو أدرك ما أدركوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكبر أسنانهم، لم يبلغوا علمه.
المطلب الثاني: وسائل الكشف عن موهبة ابن عباس.
إن اكتشاف الطفل الموهوب أمر غير يسير، لذا اختلف الباحثون في نظرتهم لمعنى التفوق العقلي وفي تحديده، وكذلك اختلفوا في الوسائل والطرق في تشخيصه والتعرف عليه (3) .
(1) رواه الحاكم في المستدرك، ج3، ص 539، مرسلًا عن الزهري.
(2) رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى، ط1، تحقيق: محمد عطا، بيروت، دار المعرفة، 1990م، ج2، ص 279 وإسناده صحيح.
(3) انظر: المعايطة والبواليز، الموهبة والتفوق، مصدر سابق، ص 204.