"قيل: الضرر أن يُدخل على غيره ضررًا بما ينتفع هو به، والضرار أن يُدخل على غيره ضررًا بما لا منفعة له به، كمن منع مالا يضرّه ويتضرّر به الممنوع. ورجّح هذا القول طائفة منهم ابن عبد البرّ وابن الصلاح. وقيل: الضرر أن يضرّ بمن لا يضرُّه، والضّرار أن يضرَّ بمن قد أضرَّ به على وجه غير جائز. وبكل حال فالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - إنّما نفى الضرر والضِّرار بغير حقّ". ويتفرّع على هذه القاعدة كثيرٌ من أبواب الفقه ممّا كانت مشروعيّته توقيًّا من وقوع الضرر. من ذلك ما ذكره الشيخ أحمد الزرقا في شرح هذه القاعدة (1) :
أنواع الحجر، فإنّها شرعت توقيًّا من وقوع الضرر العائد تارةً لذات المحجور، وتارةً لغيره، فإنَّ من وَجب حجره إذا تُرك بدون حجر قد يضرّ بنفسه، وقد يضرّ بغيره كما هو ظاهر.
ومنها: ما لو باع لآخرّ ما يتسارع إليه الفساد وغاب المشتري قبل قبضه وقبل نقد الثمّن فأبطأ، فللبائع بيعه لغيره توقيًّا من تضرّره بفساده. ولا يرجع على المشتري بشيء لو نقص الثمّن الثاني عن الأوّل.
ومنها: أنّ الوكيل بشراء شيء معيّن لا يملك أن يشتريه لنفسه من غير أن يُعلم الموكل بإنّه يريد أن يشتريه لنفسه، كما ذكروه في الوكالة، فمنعهم له عن شرائه لنفسه إنّما كان دفعًا للضرر عن الموكل، إذ عساه أن يتضرَّر من عدم الحصول على مقصوده ليسدّ حاجته. واستقصاء ما يمكن تفريعه على هذه القاعدة من المسائل تنقطع الآمال دون الوصول إليه، وفيما ذكرناه من التفاريع مستوضح لذي لُبّ.
القاعدة الثالثة-"الخراج بالضمان" (2)
(1) شرح القواعد الفقهيّة: ص 166-176.
(2) هذه القاعدة نصّ حديث شريف أخرجه عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا:
أبو داود، السنن، كتاب البيوع والإجارات، باب فيمن اشترى عبدًا فاستعمله ثمّ وجد به عيبًا، ح (3508) ، 3/777-779. والترمذي، الجامع: كتاب البيوع، باب ما جاء فيمن يشتري العبد ويستغلّه ثمّ يجد به عيبًا، ح (1285) ، 3/581-582. وقال: حديث حسن صحيح. والنسائي، السنن: كتاب البيوع، باب الخراج بالضمان، 7/254،255. وابن ماجه، السنن: كتاب التجارات، باب الخراج بالضمان، ح (2243) ، 2/754.