…ولقد كان أدب التخاطب منبعًا من منابع المعارف التي استوت على سوقها في القرن الأول للهجرة، فغدت مادّتُهُ قادرة على تزويد المتكلم بقدرات الإفصاح، والبيان، وتوقير السامع، وتهذيبه لفظًا وسلوكًا تجاه الخطاب الموجّه له، وتجاه مقصود الله تعالى في الأرض. فقد أصبح المخاطب في ظل الإسلام واعيًا لحقائق الأمور، مقدرًا لها حقّ قدرها، وإن تجاوزت مضامينُها حدود قدرات عقله وتصوراته؛ ذلك لأنه وفِق أدب الخطاب الإسلامي أصبح قادرًا على تلقّي الحقائق الإيمانية بيقين، وأصبح قادرًا على تمييز الحق من الباطل، والجدّ من الهزل، وقادرًا على ضبط موازين الأمور سواء فيما يتعلق بالأفعال أم الأقوال.
وفي قول المولى جل وعلا ما يوضح ذلك؛ يقول سبحانه وتعالى: (لا إِكْرَاهَ فِيِ الدِّيِنِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ اْلغَيِّ) . (1) فهذه الكلمات العطرة وإن كانت تتحدث عن إمكانات الفرد وقدراته - بما تبيّن له من الحق على يدِ البشير النذير أولا، وبطبيعة خلقه ثانيًا- على التمييز بين الحق والباطل، إلا أنها تفيد في الوقت نفسه أن هذا المخلوق القادر على التمييز والاختيار والموازنة في أمر الدين، قادر أيضا على التمييز والموازنة في كثير من شئون حياته.
(1) سورة البقرة، جزء من الآية: (256) .