…ويقتضي أدب التخاطب أيضًا، في الخطاب التربوي مراعاة طبائع الصِّغار في المسئوليات التي تُلقى على عواتقهم؛ فلا يُشدد عليهم فيما يخطئون فيه من أعباء، لأنهم قد لا يَعُوُن المراد بالأمر، أو قد لا ينتبهون لبعض مفردات الأمر. ومن جوانب مراعاة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لهذا الجانب، مواقفه تجاه خادمه أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه. قال: (خدمت النبي صلى الله عليه وسلم، عشر سنين، فما قال لي أفٍّ، ولا لِمَ صنعتَ؟ ولا: ألا صنعتَ) . (1) وعند مسلم: (... والله ما قال لي: أفًّا قط. ولا قال لي لشيءٍ: لمَ فعلتَ كذا؟ وهلا فعلت كذا؟) . (2)
…إن التخاطب مع الجاهل يقتضي أمرين: أولهما: فهم مُراده، والتّعرف إلى دوافع سلوكياته. والثاني: اختيار الألفاظ التي تناسب عقله، وتلائم قدرات الفهم عنده. ليتمكن المخاطب من توجيه الخطاب الذي يُحقق الرضا والقبول لدى الجاهل، ويحقق - في الوقت نفسه- عملية التوعية. وفي عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان لبعض الأعراب الجفاة مواقف، اقتضت التوجيه والإرشاد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يُقدِّر هذه الحاجة، ويعلم ما هي الأساليب المثلى في تربيتهم، وما هو التخاطب الأنسب الذي يحقق ذلك.
(1) صحيح البخاري؛ كتاب الأدب، باب: (39) : حُسن الخلق والسخاء وما يُكره من البخل. الحديث رقم: (6038) . ص: (843) .
(2) صحيح مسلم؛ كتاب الفضائل، باب: (13) . كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحسن الناس خلقًا. الحديث رقم: (2309) ص: (596) .